.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


نظرية الواقعة في الإخراج المسرحي المعاصر

د. سرمد السرمدي

إن وجود الفن ما هو إلا واقعة ايجابية لها أهميتها في صميم الحياة الاجتماعية, وقد اعتبر المجتمع نفسه في كل زمان ومكان إن الفن وظيفة  اجتماعية بالدرجة الأولى, وإن تفعيل دور الفن في بناء حياة أفضل للإنسان من خلال الجهود المبذولة من قبل الفنان  هي ضرورة بالغة الأهمية في كافة  المجتمعات المتقدمة نظرا لأن أحد التعريفات الأكثر شيوعا لمهنة الفنان المسرحي هي أنه الإنسان الذي يتميز بالرغبة في المغامرة والكشف عن الجديد, ويوصف بأنه الذي يعبر بتفكيره الحدود التقليدية التي تمثلها الحياة, ومن خلال عمله هذا يعطي تعريفا جديدا لتلك الحدود والحياة فتتضح العلاقة  بين عقل الإنسان وروحه, إذن يعتبر الفنان المسرحي الذي يقوم بهذا الدور كمصمم الخرائط لبقية أفراد المجتمع, وهذه الخرائط بدورها تدل على  مناطق الاحتفال والعزاء والأفضل والأسوأ والأجمل وأكثر التجارب المؤلمة التي تصادف البشر, إن تشبيه الفنان برسام الخرائط, لا يصف ما يفعل بالضبط فهو يقدم أكثر من ذلك بكثير, فهم يعملون على تغيير العالم وتحقيق حياة أكثر إنسانية. , من خلال التعرض للمواضيع التي تهم المجتمع وتساهم  في بناءه بشكل فاعل وأهمها إخراج واقعة الفن كجزء أساسي من حياة هذا المجتمع أو ذاك.

 

رغم إن الفنان المسرحي يحاول بشتى الطرق استكشاف وقائع الحياة واستلهام الرؤى الفنية التي يسعى من خلالها لتوكيد دور إخراج واقعة الفن من جهة وإبراز أولوية القيم الإنسانية التي يقدمها المسرح من خلال ارتباطها المباشر بالواقع المعاصر للمجتمعات إلا انه  في كثير من الأحيان يكون الحديث عن مسرح الواقعة وأصوله عادة عندما تظهر مسرحية مثيرة للجدل, ويتعامل النقد مع الفنان الذي يتعرض للحقيقة المعروفة سلفا من خلال عملية الإخراج الفني, بما يشبه الهجوم على المسرحية, ويكون ذلك بديلا غريبا عن عملية التركيز التقليدية في تحليل الأحداث الدرامية والعناصر الفنية في داخل المسرحية, وكأنما يطلب من الفنان المسرحي أن يعكس كالمرآة أحداث الواقعة الحقيقية دون أي أن يبدي رأيه فيها وهذه المطالب عززت من دافع الفنان المسرحي لضرورة تغيير وجهة النظر التقليدية من قبل المجتمعات حول الفن الوثائقي الدرامي بشكل عام وفن الإخراج في المسرح بشكل خاص.

 

إزاء التغيرات التي طرأت على المجتمع البشري صار لزاما على الفن أن يواكب حركة الفكر والعلم بإيجاد طرق جديدة قادرة على استنباط دوافع التغيير الإيجابي وهذه المهمة الجديدة التي اختارها الفنان المسرحي قد خلقت الكثير من المشاكل التي جعلت الجمهور يحتار في التقييم وأربكت النقاد والباحثين وحتى الفنانين أنفسهم, وفي الواقع, فإن المسألة الشائكة في عالم الفن المسرحي المعاصر هو الاتجاه المتزايد في المسرح لكسر أو حل تلك الفروق بين الفن والحياة. , بما يوفر الإمكانية المنشودة في الوصول لوجهات النظر المنطقية عند تقييم كلا التجربتين على حدة في الوثيقة الفنية التي يقدمها العمل الفني المسرحي المعاصر.

 

لأن عملية التأثير بالواقع من أهم الدوافع في كل المجالات الإنسانية التي تشكل أجزاء من المنظومة الاجتماعية, وكأي مجال تبرز فيه أنواع جديدة من أطر التعامل مع الواقع الإنساني تبرز معه عملية البحث عن مفهوم لهذا الإطار الجديد وتعريف محدد لما يقدمه على صعيد المضمون والشكل من أداء وظيفي فاعل في الواقع الاجتماعي, وهذه المسألة التي صادفت المشتغلين في مجال الدراما منذ النصف الأول من القرن العشرين, بحيث غدت محاولة تعريف مصطلح الدراما الوثائقية مسألة شائكة ومثيرة للجدل , وليس فقط بين المنظرين للدراما بل وأيضا من بين الجمهور الذين تعود مشاهدة دراما وثائقية, وبالإضافة إلى تعقيد وصعوبة تعريف الدراما الوثائقية, ومن الصعب أيضا تحديد الجنس الأدبي لهذا النوع من الدراما, وبمضي الوقت, أضيفت بعض تعريفات تشمل الجنس الأدبي والتقنيات الجديدة المستخدمة في الدراما الوثائقية, وأدى هذا التطور على الصعيد النظري بصانعي الدراما الوثائقية إلى خلط الأجناس الأدبية والأساليب التقنية المستخدمة في الدراما الوثائقية, ونتج هذا التعريف الأكثر شيوعا وهو الدراما الوثائقية, و لأن الوثائقية شملت السينما والتلفزيون والمسرح فقد ظهر  التعريف العام للمصطلح أي دراما وثائقية في محاولة لتصنيف هذا النوع من الدراما بالشكل الفني الخاص, لأنه من الصعب أيضا إيجاد تعريف دقيق لمصطلح وثائقي بشكله العام.  لكن المحاولات لم تقف عند العجز عن إيجاد تعريف عام.

 

عند النظر للشكل المسرحي الخاص فأن مسرح الواقعة يعتبر شكل من أشكال العرض المسرحي يقوم على تقديم حدث تاريخي أو سياسي أو اجتماعي أو واقعة ما في إطار درامي, ولذلك يطلق عليه اسم مسرح الوقائع أو الواقعة باللغة الفرنسية theatre des fatis ويستند هذا الشكل المسرحي إلى الوثيقة الحقيقية كمادة أولية, ويكون العرض في هذه الحالة إعادة تمثيل لمراحل الحدث أو الواقعة على شكل إعادة ترتيب montage لعدد من اللوحات أو الأسكتشات ليشكل كل منها مشهدا مستقلا, ويتركب المعنى في الحصيلة النهائية.  وقد تأسس هذا الشكل المسرحي بعد عدد من الأطروحات المسرحية التي يراد بها تفعيل دور المسرح ازاء القضايا الاجتماعية والسياسية, حيث كان لأطروحات المسرح السياسي لا سيما آراء  بسكاتور و بريخت أثرها في بلورة المسرح الوثائقي  التسجيلي في ألمانيا والذي يعتمد الوثيقة التاريخية ومحاضر الجلسات والتقارير والبيانات والرسائل في صياغة البناء العام للشخصيات والأحداث المسرحية  بطريقة تمنح العرض صفة الوثيقة الفنية للواقعة.

 

لما بدأت الدراما الوثائقية تشق طريقا لها عبر مختلف الفنون الدرامية, اتخذ النقاد سبيلهم للمقارنة فيما بينها جميعا للوصول إلى حل لإشكالية المصطلح الأساس وهو الدراما الوثائقية أو الفن الوثائقي لكن على الرغم من أن الشكل الفني للعمل الوثائقي في المسرح يقترب من خلال مسرح الواقعة في جوهره من الفيلم الوثائقي, لكن اختلاف طبيعة فن السينما عن فن المسرح يفرض بالنتيجة أسلوبا مختلفا في التعامل مع الواقع, فالسينما والتلفزيون يقدمان المادة الوثائقية كما هي في تسلسل ما تكرسه عملية المونتاج, وتكون عملية اختيار الوثيقة خيارا يحدد توجه العمل, أما في المسرح فيقوم أساسا على إعادة تمثيل المادة الوثائقية, ورغم إن مسرح الواقعة يمكن ان يستخدم الوثيقة الحية ضمن العرض على شكل أفلام أو شرائط مسجلة أو مؤثرات سمعية تدعم الفكرة وتعطيها نوعا من المصداقية, إلا إن عملية إعادة التمثيل تعطي المادة المقدمة بعدا دراميا اكبر, وبذلك يتلاقى المسرح الوثائقي مع مفهوم الدراما التوثيقية التي تقوم على إعادة تمثيل الواقعة بوجود ممثلين  , والتوثيقية في الدراما المسرحية تتفق مع الدراما الوثائقية في ان الشكلين يعرضان وثيقة برؤية فنية.

 

ليس هنالك فرق كبير بين الدراما التوثيقية وبين الدراما الوثائقية إلا في المصطلح الذي ظهر قبل الآخر واتخذه النقاد لوصف هذا الشكل من الدراما المسرحية فالدراما الوثائقية هي قصة تمثل بشكل درامي تتضمن الأحداث الفعلية على عكس طريقة سرد القصة الوثائقية الصرفة التي يستخدم فيها الناس الحقيقيين والأحداث الحقيقية, ووفقا لهذا التعريف , فأن الدراما الوثائقية هي مزيج من الأحداث الحقيقية والخيال الفني. , فضلا عن ذلك إن عملية إخراج  الدراما لواقعة حقيقية ما لن يخلو من إبداع خيالي ضروري لإنجاح المسرحية على الصعيد الفني أولا والوثائقي ثانيا.

 

حتى إن أول من استخدم تعبير مسرح وثائقي او تسجيلي هو الناقد  جون جيرسون J.Jerison  الذي وصف هذا الشكل بأنه معالجة إبداعية لحقائق الواقع, وقد أطلقت تسمية مسرح الوقائع في 1950م على المسرحيات الوثائقية التي انبثقت عن تقنية مسرح الجريدة في امريكا.  أي إن الوثائقية لم تمر عبر المسرح إلا وقد تحولت لعملية إخراج فنية للوقائع التي استندت في عرضها للمادة الوثائقية الصرفة.

 

أما عن عروض المسرحية الوثائقية  فان مسرحية النائب ل  هوخرت التي عرضت لأول مرة في تاريخ 20 فبراير سنة 1963م في المسرح الشعبي في برلين تشكل أول عرض لموجة جديدة من المسرحيات التي أطلق عليها  بيتر فايس  مصطلح  المسرح الوثائقي  , وقد  ظهر في ألمانيا متأثرا بمسرح الثورة الروسية في أواخر العشرينات وبلغ أوجه في أعمال  بسكاتور  المسرحية ويهدف إلى إحداث أثر سياسي اجتماعي نقدي وهو لهذا يختار المادة التاريخية والسياسية الموثوق بصحتها معتمدا الملفات والتحقيقات والتقارير الصحفية للأحداث الجارية وبعض المواد الفيلمية والصور والتسجيلات الصوتية وذلك لتحقيق أعلى درجة من المصداقية   وهنالك إجماع على ازدهار المسرح الوثائقي في فترة محددة هي الستينات من هذا القرن وخاصة في ألمانيا, ولم يدم طويلا, لكن أهميته تكمن في انه شكل مرحلة لتوجه المسرح لاحقا نحو إعادة النظر بما هو معروف, وتقديم قراءة جديدة لما هو موثق تاريخيا من خلال الدمج بين ما هو وثائقي وما هو إبداعي في قالب درامي.  مما يعتبر اقرب مسافة فنية نجح فيها الفن المسرحي بالاقتراب من واقع الإنسان المعاصر, يظهر ذلك في المواضيع التي تطرح من خلال المسرحيات وأيضا من خلال آراء النقاد للكشف عن تعريف موحد لهذا الشكل المسرحي.

 

إلا اغلب التعريفات تؤكد هذا التقارب بين الفن والواقع الحقيقي من خلال التعرض لوقائع حقيقية في المسرحية, وفي تعريف آخر للمصطلح هو أن الدراما الوثائقية أيضا هي دراما لعرض الوثائق وفق تصور فني خيالي, وهو نوع الدراما الذي يجمع بين عناصر حقيقية من الوثائق وبين عناصر خيالية من الدراما, وذلك بإعادة تأليف الأحداث الموثقة. , إلا إن هنالك أبعادا أخرى في إخراج الوقائع من خلال هذا الشكل المسرحي فقد كان مسرح الواقعة بشكله المعروف تطورا جاء نتيجة عدد من التوجهات التي سبقته من أهمها مسرح الجريدة الحية, وقد استعار منه مسرح الواقعة شكله التركيبي وبعده الإعلامي. , وبإضافة البعد الإعلامي إلى البعد الدرامي نستطيع ان نتصور مدى العمق الذي مثله هذا الشكل المسرحي في عرضه للوقائع المختلفة.

 

ولما كانت البداية الحقيقية لهذا الشكل المسرحي في الإخراج في ألمانيا فقد كان للمسرحيين الألمان دورهم في بلورة هذا الفن المسرحي أمثال  هوخوت  و  كيبارد  و  فالزر  و  بيتر فايس  , حيث كتب  بيتر فايس  مسرحيات تركت صداها في العالم كمسرحية  اضطهاد واغتيال جان بول مارا  سنة 1964م, ومسرحية  التحقيق  سنة 1965م, ومسرحية  أنشودة انجولا  سنة 1967م, ولكي لا نغفل دور غيرهم من الكتاب كالفرنسي  ارمان جاتي  الذي قدم مجموعة من المسرحيات الوثائقية كمسرحية  تقارير من كوكب سيار  التي اهتم فيها بتوجيه أنظارنا نحو العالم كي نبصر الحقيقي  فالشخصيات المسرحية عنده لا تعكس ذلك القدر الذي يذكرنا بالدراما التقليدية وإنما تبدوا كما لو كانت حرة تماما أتت بها مجرد صدفة ,  ولكن  جاتي  في نفس الوقت الذي يكشف فيه عن قيمة الحرية الإنسانية ويدعمها , يستطيع أن يكون ذلك القاضي الحازم الذي يصور زعماء الفاشية في نماذج تشبه العرائس , نماذج مشبوهة قاسية تقتل بيد وتعزف الموسيقى الرقيقة باليد الأخرى , إن أحداث المسرحية عند  جاتي  لا تعكس عالما مماثلا للواقع مثلها في ذلك مثل المسرحيات التسجيلية التي كتبها الألمان ولم يبق للشخصيات سوى أن تتدخل بين حين وآخر قاطعة التسلسل التاريخي للأحداث لتروي علاقاتها الممزقة اليائسة في مواجهة تعقيد الحياة الذي أدى إلى تراجع الصوت البشري واكتفاء بالوقوف في احد أركان المسرح  , ومن تنوع هذه الأطروحات يتكشف الأساس الذي انطلق منه مسرح الواقعة.

 

إن الأساس الفني الذي سبق مسرح الواقعة ينتمي لعدة توجهات فقد سبق مسرح الواقعة توجه الموضوعية الجديدة Neue sahlichkeit   والتي ظهرت في ألمانيا في بداية القرن وكانت امتدادا على المستوى الإبداعي والجمالي للتعبيرية والطبيعية لأنها حاولت أن تبحث عن نقطة ارتكاز قوية في الواقع من خلال معالجة وقائع الحياة كما تحصل, وهذا ما يؤكد عليه احد منظري هذه الحركة  فيلهم ميشيل Wilhelm Michel, والصيغة المسرحية لهذه الحركة هي مسرحية الزمن Zeistuck, وهي نوع من العروض يأخذ شكل الريبورتاج الممسرح, وهدفه الأساسي تجاوز عرض حكاية متخيلة أو طرح حالة فردية إلى مواضيع أكثر عمومية من الواقع تصب في الهم الجماعي, وعرضها بشكلها الفج, وقد ظهرت مسرحيات عديدة تقوم على طرح موضوع عام استنادا إلى قضية ساخنة كالتنقيب عن البترول والإضرابات العمالية, وفي هذا المجال يعتبر المخرج المسرحي الألماني  اروين بسكاتور من أهم المخرجين الذين قدموا مسرحا وثائقيا, فقد اخرج مسرحية كتبها المؤلف الألماني رولف هوخرت بعنوان  النائب عام 1963م يستحضر فيها أحداثا حقيقية, ومسرحية اخرى بعنوان  قضية روبرت اوبنهايمر اخرجا  اروين بسكاتور عام 1964م وكان مؤلفها  هاينر كيبهارت  وكانت أحداثها تدور حول احد مخترعي القنبلة الذرية, ورغم ذلك فأن المسرح الوثائقي كان مجرد مرحلة في مسار بيسكاتور المسرحي فقد انطلق من توجه الموضوعية الجديدة ومن مسرحيات الزمن لكنه ذهب ابعد من ذلك, اذ لم يكن يريد لمسرحه ان يقتصر على مواضيع محدودة من الواقع وإنما أن ينفتح على التاريخ, وفي مرحلة عمله على المسرح البروليتاري وبشكل خاص في مسرحية  رغم كل شيء  التي عرضت عام 1925م, استخدم  بيسكاتور  الوثيقة السياسية والتاريخية التي كانت بالنسبة له وسيلة لربط الحدث المسرحي بالمسار السياسي فيما بعد.  وقد بدأ مسرح الواقعة يتخذ مكانه بين الأشكال والحركات والاتجاهات المسرحية بوصفه شكلا مستقلا جديدا للعرض المسرحي.

 

أصبح التمييز بعد عدة عروض مسرحية وبمرور فترة من الوقت بين ظهور الأشكال المسرحية ومنها الوثائقية أكثر وضوحا فمسرح الواقعة يقال له مسرح وثائقي درامي أي يحاكي الواقع, ويستخدم في تحليل الأحداث والقضايا الاجتماعية الآنية, وتستند الدراما الوثائقية على أحداث وهمية أيضا, والتي هي مستمدة من التعمق في عملية البحث في الوثائق التي تحكي عن الأحداث الحقيقية, مما أدى إلى إمكانية التصديق من قبل الجمهور بما تم إضافته فنيا إلى هذه الأحداث,و تستند الدراما الوثائقية عادة إلى الأحداث التاريخية الموثقة جيدا, فتكون بمثابة السجل الفني للأحداث الواقعية, لكنها تبقى تقليد فني للحياة لهذا فأن الدراما الوثائقية يمكن وصفها بأنها الهجين بين الواقعة والفن.  خصوصا وان مسرح الواقعة جاء بعد توجهات مسرحية مهدت لظهور هذا الشكل الذي هو أيضا  جزء من توجه عام أوسع قد سبقه واستمر بعده وهو المسرح التاريخي, الذي شكل في ألمانيا اتجاها هاما ناقض الاتجاه نحو دراما الأنا الذي تبلور ضمن التعبيرية, وتعتبر مسرحية الألماني  جورج بوشنر  والتي بعنوان  موت دانتون  من المسرحيات التي انطلقت من المسرح التاريخي ومهدت الطريق لظهور تيار المسرح الوثائقي لأن  بوشنر  استخدم فيها خطبا موثقة لإضفاء المصداقية والدقة التاريخية على طرحه, إلا إن مسرح الواقعة يختلف بطرحه عن المسرح التاريخي فيما يتعلق بشكله الخالص لأنه يسعى في الأساس إلى تقديم الأحداث بشكلها الفج دون وضعها في حبكة خيالية, أي انه يرفض إعطاء بعد رمزي للحدث ويقدمه لذاته, كما انه يرفض فرض نظرة مسبقة إلى الحدث, وإنما يضع المتلقي وجها لوجه أمام الحادثة دافعا إياه لأن يشكل رؤيته الخاصة, لذلك فهذا المسرح بجزيء الواقعة ويطرحها بشكل تركيبي يهدف منه إلى كسر الرؤية الشمولية وتعديل القراءة للواقعة من قبل المتلقي.  , حيث إن  للوثائق التاريخية ولمحاضر الجلسات التي يستند إليها الكاتب في المسرح الوثائقي أثرها في بناء الشخصية المسرحية إضافة إلى دور الكاتب في إعادة تفسير التاريخ وعكسه لوجهة نظره الخاصة , ومنذ البداية قرر  بيتر فايس  على صعيد الإخراج إن  المسرح التسجيلي مسرح تقريري فالسجلات والمحاضر والرسائل والبيانات الإحصائية ونشرات البورصات والتقارير السنوية للبنوك والشركات الصناعية والبيانات الحكومية الرسمية والخطب والمقابلات والتصريحات التي تدلي بها الشخصيات المعروفة والريبورتاجات الصحفية والإذاعية والصور والأفلام والشواهد الأخرى للعصر الحاضر هي التي تكون اساس العرض  , هذا ما تحقق في مجمل عروضه ضمن هذا الشكل المسرحي.

 

مما جعل آلية عمل مسرح الواقعة تترسخ أكثر هو ثباتها هو موازنتها بين البعد الدرامي والوثائقي حيث  تتخذ الدراما الوثائقية أشكالا مختلفة ولكن النوع الأكثر شيوعا من هذه الدراما هو الذي يعرض حدثا تاريخيا بشكل مختلف كالملاحم التاريخية بحيث يتم عرض هذا الحدث التاريخي باعتباره المحور الرئيسي للقصة ويتم إضافة عناصر درامية داخل الحادث دون التأثير به أي إن عملية التغيير الفنية تكون مهتمة بعرض الحدث وبعيدا عن تغيير الحدث التاريخي الرئيسي نفسه.  لتأكيد مصداقية الأطروحات عند المتلقي.

 

أما على صعيد النص فالكاتب في المسرح الوثائقي يستند إلى وقائع وأحداث حقيقية تتدخل في البناء العام للشخصية المسرحية طبقا للصورة التي عكسها بها التاريخ وطبقا لرؤية المؤلف حيث ينعكس ذلك على البناء العام للمضامين الفكرية والجمالية في العرض  وليس مسرح الواقعة إلا امتداد ونتيجة منطقية للتجارب الدرامية السابقة.

 

إن الكاتب المسرحي يجسد منذ بداية المسرح وقائع حياة الإنسان وتستند جميع التراجيديات اليونانية من العصر الذهبي في المسرح الإغريقي على التاريخ الواقعي المدون الموثق, أو على أسطورة, على الرغم من إن كل كاتب مسرحي قدمه وفقا لتفسيره الخاص  دون المساس بالواقعة الحقيقية المعروفة من قبل الجمهور.

 

والكاتب المسرحي في العصر الحديث بحكم التطور التقني لصياغة الوثائق وحفظها صار أكثر حظا وإمكانية في انتقاء وثيقة يستند عليها النص المسرحي, ففي مسرحية  محاكمة اوبنهايمر  لمؤلفها  هانيار كيبارد  يستعين المؤلف بملفات جلسات لجنة الأمن القومي التي شكلتها لجنة الطاقة الذرية للتحقيق مع عالم الذرة الدكتور  جوليوس روبرت اوبنهايمر  سنة 1954م, حيث قدم المؤلف صورة مصغرة لوقائع التحقيق , والحرية التي يتمتع بها الكاتب بهذا الصدد تتمثل في اختيار المادة وإعادة ترتيبها وتشكيلها وقد أجرى المؤلف بعض التغييرات بين الوثيقة والنص المسرحي محاولا خلق نوع من التوتر الدرامي بتركيزه على الصراع بين سلطة الدولة وحرية الفرد الشخصية حيث يظهر المؤلف لنا موقف الشخصية ودوافع صراعها في سبيل تغيير الواقع السيئ أو الدفاع عنه مؤكدا على عمق التاريخ والزمن في خلق الوعي الخاص بالشخصية  متخذا من الوثيقة نقطة انطلاق الحدث في النص, ومن النص وثيقة مسرحية عن طريق الإخراج الفني.

 

والتوثيق الفني عن طريق المسرحية لم يكن أسلوبا غريبا عن الكتاب المسرحيين وخاصة من ذهب نتاجهم عبر القارات وعبر الزمن يعرض تاريخ ووقائع شعوبهم  لأن شكسبير أيضا استخدم السجلات التاريخية بوصفها مصدرا لكثير من مسرحياته, ويلقب شكسبير بصاحب المسرحيات التاريخية لأنه أجاد تقديم التاريخ في الدراما.  إلا أن الوثيقة اتخذت لها مكانا في النص والعرض عند كتاب العصر الحديث على حد سواء.

 

عندما أصبح المسرح احد منابر الدعوة للتغيير والإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي, سعى كتاب المسرح الوثائقي إلى توجيه اهتمامهم نحو القضايا الاجتماعية والسياسية التي تهم الإنسان في سبيل محاولة إيجاد حل يحقق استقلالية وحرية الشعوب , فطرحوا بذلك قضايا الثورة الفرنسية واستعمار انغولا وفيتنام وفترة الحكم الشيوعي في روسيا بشكل اقرب إلى روح العصر,  فمن الناحية الفلسفية أصر كتاب المسرح التسجيلي على الجمع في وقت واحد بين قضية الإنسان بوصفه كائنا اجتماعيا يحمله ويحدد مصيره تيار التاريخ ومتطلبات النظام وعلاقات القوى في واقع معين وبين قضية الإنسان نفسه كفرد محاولين الغوص في أعماق وجوده الفردي والتوسيع من نطاق حريته الفردية , وبتعبير آخر فأن كتاب المسرح التسجيلي حاولوا الجمع بين العنصر الدرامي والملحمي  في وقت واحد لخلق رؤية أكثر شمولا للإنسان , ووفقوا في ذلك إلى حد بعيد , إن توثيق الواقعة في المسرح طريقة قديمة قدم المسرح.

 

تم استخدام هذه التقنية في العرض المسرحي بشكل واسع في وقت مبكر من تاريخ المسرح, فبعد الحرب العالمية الثانية, انبثق من الدراما الألمانية  مسرح الواقعة-Theatre of Fact , الذي كان معروفا أيضا تحت مسميات مثل الدراما الوثائقية والمسرح الوثائقي والمسرح التسجيلي, وبدا ينشط قرابة عام1960م ويعرض الأحداث التي وقعت بالفعل, والتي لها علاقة بالشعب و الشؤون العامة.  والأخلاق واهم القضايا الاجتماعية.

 

ونتيجة للأحداث التي طرأت منذ بداية القرن العشرين كالحروب والأزمات السياسية والاقتصادية حدث ضمور في شخصية البطل الفرد وتحولت البطولة منه بوصفه يمثل صاحب الزعامة الأول إلى التكتلات الاجتماعية , حيث ظهر موقف السلطة الطاغية بوسائلها القمعية في مواجهة كفاح الجماعة الإنسانية التي تعيش بؤس المعاناة  مما عزز من دور مسرح الواقعة في كشف هذا الصراع من اجل حرية الإنسان.

 

ويبرز بيتر فايس من بين كتاب الدراما الوثائقية بوعيه الفكري والفني , وقدرته على صياغة الأحداث دراميا , ففي عام 1964م قدم مسرحية  مارا - صاد  حيث عبر فيها عن أهمية الثورة وضرورتها بالنسبة للفرد والمجتمع في إطار سياسي اخذ أحداثه العامة من الثورة الفرنسية , ويؤكد  بيتر فايس  قي مسرحيته على أهمية تحقيق الذات المتحررة بالنسبة للكائن البشري حتى يتمكن من تحقيق التطور الاجتماعي ,  ويعيد بيتر فايس تفسير احد شخصيات الثورة الهامة  مارا  بحيث تبدوا دوافعه ممكنة التصور بدلا من تلك الصور الدموية التي وصفها به المؤرخون حيث يعرض  فايس  قيم الشخصية وأفكارها ودورها في محاولة تحقيق التغيير الاجتماعي , مؤكدا العقبات التي تقف في وجه تحقيق تلك الأفكار ,    بوصف  مارا  يمثل الثورة ضد الفساد الاجتماعي.

 

وفي السينما من ناحية أخرى , تطورت ضمن أنواع مختلفة مثل الأفلام الوثائقية , والنشرات الإخبارية والصور المتحركة كلها تندرج ضمن تصنيف الدراما الوثائقية.  حيث ظهرت الأفلام الوثائقية قبل ظهور مصطلح الدراما الوثائقية, منذ أن بدأت تتضح ملامح إعادة تفسير الواقع دراميا بطريقة فنية, على سبيل المثال , في عام 1922م ظهر فيلم فلاهيرتي نانوك الوثائقي الذي تضمن بعض التفسيرات من واقع الحياة, واستثمر الخيال كثيرا في الفيلم, فقد فسر فلاهيرتي نانوك الحياة الحقيقية من خلال استخدام الكاميرا, بتصويره لحياة ساكني كوخ في الإسكيمو مستخدما نموذج صغير وليس كوخ حقيقي. مقدما وجهة نظر درامي في تصوير وثائقي للحياة الحقيقية.

 

والدراما الوثائقية تفوقت على الدراما التاريخية من خلال عرضها الوقائع في تسجيلات للأحداث والأماكن حيثما كان ذلك ممكنا, والتقرب من القصة الأصلية, وهذا النموذج دراما وثائقية نشأت في السينما بسبب رغبة صانعي الأفلام خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية في أوروبا بالاستفادة من الشكل الوثائقي لما حدث خلال الحرب على حقيقته. من خلال ما توفر من وثائق وشهادات عن الحرب.

 

ظهرت حركة  مسرح الواقعة-Theatre of Fact  الألمانية عام 1960م, وقد نسبت أعمالهم إلى تصنيف الدراما الوثائقية حيث استثمروا هذه الطريقة في عرض أفكارهم لتكون مؤثرة, وابرز من تزعم الحركة من الكتاب  المسرحيين هو بيتر فايس 1916-1982م, وكان الهدف الأساسي لحركة   مسرح الواقعة-Theatre of Fact   هو إقناع الجمهور بأنهم كانوا يشاهدون في الواقع تاريخ يتكشف امامهم.  وليس من خيال المؤلف الصرف.

 

وفي  مسرح الواقعة-Theatre of Fact  استخدم  بيتر فايس  نصوص وثائقية تثبت جرائم النازية فيما حدث داخل معسكرات الاعتقال وكان العرض المسرحي أفظع من ما قد تصل اليه مخيلة الإنسان عند قراءة هذه الوثائق وما يمكن فهمه منها, مما يثبت أن العمل المسرحي قادر على التعبير عن الواقعة   أو بنقل معناها فنيا.

 

وحول الخلفية التاريخية لشخصية  مارا  يقول  فايس  :  ان موقف مارا الذي صورناه في المسرحية يشابه الواقع تماما , فقد اضطر  مارا  لأن يرقد ساعات طويلة في الحمام من اجل ان يخفف آلام المرض الجلدي النفسي الذي أصيب به أثناء انعزاله بالغرفة المظلمة حيث كان يعيش سنواته الأخيرة حتى يوم السبت 13 يوليو 1793م يوم زارته  شارلوت كوردي  ثلاث مرات وطعنته   

 

إن  مسرح الواقعة-Theatre of Fact   أسلوب أكثر تشددا لجلب القضايا الاجتماعية إلى مرحلة التوثيق في المسرح, وتقديم معلومات واقعية تأخذ الأولوية على الاعتبارات الجمالية الفنية, وذلك في محاولة للخروج من حركة الاحتجاج الاجتماعي التي نشأت خلال سنوات من الكساد الاقتصادي التي وصلت ذروتها في عام1930م, وكان المشروع ضمن نشاطات المسرح الاتحادي في الولايات المتحدة وقد اعتمد ما يسمى بتقنية جريدة الحياة, مع استخدام الصور المتحركة وخاصة في استخدام مشاهد قصيرة لتقديم إصدارات الصحف عن أبرز المشاكل المعاصرة, واستخدمت هذه التقنية منذ ذلك الحين ولكن بدرجات متفاوتة من النجاح على خشبة المسرح, وتعرضت لمواضيع أحداث حقيقية مع إعادة بناءها وتفسيرها, من خلال الإضافات الخيالية ومن خلال استخدام مواد وثائقية حقيقية على سبيل المثال , نسخ محاضر المحاكمات , والتقارير الرسمية , وقوائم الإحصاء, الى ان حصد هذا الشكل المسرحي شعبية أكثر في حوالي عام 1960م   ومن خلال أعمال بيتر فايس في مسرحية  التحقيق عام 1965م.

 

ويقول فايس أيضا:  وفي عرضنا هذا يتطابق موقف مارا مع الواقع فقد حفظت كلماته في الكتابات التي تركها بعده , كذلك فان ما ذكرناه فيما يتعلق بوجوده وحياته يطابق الواقع , فقد ترك  مارا  منزل العائلة وهو في السادسة عشر من عمره ,  درس الطب وعاش عدة سنوات في انجلترا , وكان طبيبا مشهورا , اعترف به كعالم , قدره المجتمع ثم انحاز اخيرا الى جانب الثورة بعد فترة طويلة , كان يوجه فيها النقد الى ذلك المجتمع , ولكنه كان كبش الفداء في حالات كثيرة نتيجة لحدته وثورته ومزاجه الانفعالي  

 

يقول فايس:   في عام 1934م وأثناء صعود هتلر للسلطة, هاجرنا الى انكلترا, وتوقفنا في إنجلترا لبضع سنوات, ثم ذهبنا لتشيكوسلوفاكيا, وأخيرا استقر الحال بنا في السويد, وبدأ تحول العائله إلى الديانة المسيحية لكن ليس بسبب أي قلق بالنسبة للاضطهاد الديني أو ألأيديولوجي في السويد, ولكن بسبب الشعور بالعجز في عدم القدرة على مساعدة اليهود, الذين كانوا يذبحون من قبل النازية الألمانية  في معسكرات الاعتقال 

 

قام بيتر فايس بالتحقيق عام 1965م بشكل درامي  في مسرحية جسد فيها محكمة جرائم الحرب في فرانكفورت, والتي حاور فيها بشكل درامي الأشخاص الذين كانوا يعملون حراس في معسكرات الإبادة النازية,وقد نسخ طبق الأصل عدد من الإجراءات التي كانت تحدث في هذه المعسكرات في الواقع, وقام في الوقت نفسه بتغييرات درامية محددة, وأطلق على الممثلين الذين يلعبون ادوار الشهود على المجازر المرتكبة الأرقام وليس الأسماء, وهذا يرمز إلى الطريقة التي يعامل بها نزلاء المعسكرات النازية الذين جردوا من هوياتهم الحقيقية, وعمد إلى أن تكون المسرحية تتلاءم اتجاهات المرحلة ما بعد هتلر والتي تتطلب إدراك الجمهور بطريقة غير عاطفية حتى يركز على الحقائق,ولم يتم الإشارة إلى إن الضحايا من اليهود ولا أين وما هو هذا المعسكر على وجه التحديد, وكانت نية فايس هي تعميم المحرقة اليهودية بحيث تمثل جميع أنواع البربرية وجرائم الإبادة التي تقع على بني البشر.

 

يقول فايس: لم أفكر أبدا بمسألة كوني يهودي, وكنت بنظري مجرد مواطن عادي يسكن برلين الألمانية وكنت مقبولا من قبل معايير المجتمع الذي ولدت فيه ولما كبرت أصبح اهتمامي يتزايد في الرسم والكتابة  

 

ويقول أيضا :  إن كتاب التاريخ البرجوازيين في القرن التاسع عشر قد صوروا شخصية مارا بصورة تجعلها نادرة بالنسبة لشخصيات الثورة الفرنسية في تعطشه للدماء , وهذا ما لا نشعر به , فأن ميوله تقترب من النظام الدكتاتوري الخطر رغم صيحته المشهورة ,  ديكتاتور , يجب أن تختفي هذه الكلمة , إنني اكره كل شيء يذكرني بالسادة والملوك !  , أما في نظرتنا الحالية فيجب أن نرى  مارا  كأحد مفكري ودعاة الاشتراكية , رغم إن نظرياته الاجتماعية الثورية تحمل كثيرا من الشوائب مما ابتعد بها عن الهدف الأساسي 

 

ومرت على فايس سنوات من عدم الالتزام بقضية اليهود, إلى أن ظهر تأثير القضية في كتاباته,  خاصة في الكلمة التي ألقاها في مؤتمر عن أهداف الفن بالنسبة لأثرياء المجتمع في جامعة برينستون في عام 1966م حيث قال : منذ بداية عملي في هذه القضية أعلنت موقفي تجاه الالتزام وقد تغيرت على نحو كبير, وظهر ذلك في محاولاتي الأولى في الكتابة, كان لي فقط وجودي أنا الخاص هو ما أخذه في الاعتبار, وهذه هي المرة بعد الهجرة والحرب, لم أكن أنتمي إلى أي مكان وأجبرت للخروج بحكم انتمائي لليهود, وكان قرار التزامي من وقتها مبنيا لا على أن أشارك في النضال العقيم ضد هتلر الذي في رأيي كان سيكون قرارا مجنونا, والعالم كله يتعرض للتقسيم ومصادرة الحياة وفي صراع مع الموت, وبالنظر إلى موقفي من بلدي أصبح الالتزام أكثر من أي اهتمام لنفسي, فقد أصبحت بلا مأوى. أدرك فايس أخيرا أنه كان من المستحيل أن يأخذ قرارا بعدم التورط, لذا, تحمل عبء ذنبه, وحاول العثور على إجابات لأسئلته المضطربة في جديد التزامه خاصة من خلال مسرحه.

 

ظهرت مسرحيات وثائقية في الولايات المتحدة  خلال عام 1960م, تعكس الكثير من الاضطرابات الاجتماعية الداخلية في أمريكا, بما في ذلك صراع حركة الحقوق المدنية حول قضية حقوق المواطنين من أصل أفريقي وقضية الحرب في فيتنام.

 

 يقول فايس: إن السلام الحقيقي أمر مستحيل, حتى بالنسبة لي, ما دام هنالك كارثة مستمرة في الخارج, وقد كنت استعين بالرسم والكتابة لرؤية بلدي, وجعلت الفن لي ملجأ بديلا عن العالم, ثم فجأة كان هناك سؤال واحد أساسي, من الذين هم في حاجة لكتابتي؟, وهل يمكن لكتاباتي أن تسهم في جعل الحياة أكثر ملائمة للعيش؟, نعم, يمكنني أن اقنع من لم يعودوا يؤمنون بدائرة الفن حتى لو كان هذا يعني أنه كان علي أن ابدأ في كل مرة, مرة أخرى وأواجه الفشل 

 

ومن بين هذه المسرحيات كانت محاكمة تسعة في عام 1970م بقلم دانيال ج. بريجان وأنت الآن أو هل سبق لكفي عام 1972م, وهي مسرحية تدور حول حقبة مكارثي بقلم اريك بنتلي, واستمرت الدراما الوثائقية حتى ظهر فيلم العدل ل اميلي مان عام 1984م, وفي عام 2002م ظهر فيلم وثائقي عن السجناء المحكوم عليهم بالإعدام سابقا الذين اتضح أنهم أبرياء اليوم, مما يدل على أهمية وشعبية الدراما الوثائقية في السينما والمسرح والتلفزيون.

 

يمكن استخدام  مسرح الواقعة-Theatre of Fact  كوسيلة لتعزيز التفاهم والحوار بين الناس على اختلاف وجهات النظر بينهم وعمق جذور الصراع تاريخيا, و يستخدم  مسرح الواقعة-Theatre of Fact  للحصول على صورة كاملة عما حدث في واقعة معينة من خلال عملية إجراء المقابلات مع الناس المعنيين بشكل تمثيلي درامي على خشبة المسرح, والغرض منه هو التخلص من آثار الجانب العاطفي في حالة النظر لقضية معينة وتصور جميع جوانب هذه الواقعة, قيمة  مسرح الواقعة-Theatre of Fact  تكمن في قدرته على تأكيد الاختلافات بين الناس والعمل على إلغاءها عن طريق بناء الجسور بين هذه الفروق في وجهات النظر المختلفة  والمتعددة إزاء واقعة واحدة حدثت بالفعل.

 

أهم ما يمتاز به الإخراج في مسرح الواقعة:

يعتمد المخرج في مسرح الواقعة على تقارير حقيقية, ويستخدم المخرج في مسرح الواقعة المجموعات وليس الأفراد واستحضار الاجواء الحقيقية, ويستخدم المخرج في مسرح الواقعة الكاريكاتيرية في المواقف وتبسيطها ليكون الموقف واضحا, ويستخدم المخرج في مسرح الواقعة الاغاني والجوقة والتمثيل الصامت والاقنعة والمؤثرات الصوتية والتعليق, ويعمد المخرج في مسرح الواقعة الى العرض خارج المباني التقليدية للمسرح والتي تخضع لسيطرة السلطة خاصة , ويقف المخرج في مسرح الواقعة  بالضد من النظرة العبثية للحياة, وتأكيد الواقع, ولا يعتمد المخرج في مسرح الواقعة على التقاليد المسرحية المعروفة كتحية الممثلين على المسرح للجمهور عند الدخول, ولا يعتمد المخرج في مسرح الواقعة على تغيير ازياء الشخصيات الممثلة على خشبة المسرح فالممثل الواحد يمكن ان يؤدي عدة شخصيات بنفس الملابس, ويستخدم المخرج في مسرح الواقعة لغة الجسد من أجل تصوير عدد كبير من الشخصيات على خشبة المسرح, ولا يسعى المخرج في مسرح الواقعة الى  أستدراج لعاطفة الجمهور حول الأحداث والأهتمام بابراز وجهة نظر الشخص الذي يجري المقابلة مع الشخصية الواقعية الممثلة, ولا يستخدم المخرج في مسرح الواقعة الكثير من الموسيقى الخلفية للحدث الدرامي, مما يتيح للجمهور التركيز على الكلمات, ويختار المخرج في مسرح الواقعة  أي وثيقة أكثر أهمية أو أكثر إثارة لاعتمادها في العرض المسرحي وليس كل الوثائق, ويوجه المخرج في مسرح الواقعة الممثلين بنقل ما يعرفونه هم عن الواقعة حتى لو كان خارج إطار العرض المسرحي المتفق عليه وذلك لإضفاء المصداقية على أدائهم ويسمح للجمهور بالتعبير عن وجهات نظرهم الخاصة أثناء العرض المسرحي .  *للمزيد ينظر:  سرمد السرمدي, الإخراج في مسرح الواقعة العالمي, رؤية نقدية, المركز الثقافي للطباعة والنشر(بابل), مسجل لدى دار الكتب والوثائق العراقية, بغداد, رقم الإيداع - السنة 2011م .

 

د. سرمد السرمدي


التعليقات

الاسم: فراس حمودي الحربي
التاريخ: 2011-06-26 19:44:43
سرمد السرمد

-------------- لك الالق في ابداع وطرحك الموضوعي دمت سالما

شكرا دمتم سالمين ياابناء النور

تحياتي الفراس الى الابد سفير النور للنوايا الحسنة




5000