..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الشاعر المنسي محمد رضا الخطيب في مرثيته لشاعر العراق جميل صدقي الزهاوي

مهدي شاكر العبيدي

من عادة الأستاذ جمال الدين الآلوسي يوم كان مدرساً بدار المعلمين الابتدائية في الأعظمية أن يستفهم من طلابه عن المدن التي توافدوا منها لغرض التحصيل الدراسي في هذا المعهد العتيد الذي يعدهم للانخراط في سلك التعليم، رغبة منه في توثيق الصلة والألفة بينه وبينهم، وبغية ابتعاث شعور معين في نفوسهم بكونهم موضع رعاية وتقدير من يحترم مشاعرهم ويمحضهم ثقته أن يكونوا بالحق رجال المستقبل وصناع مجد هذه الأمة لأنهم بالأساس حرب على الجهل والتخلف، واذكر انه كان وقتذاك، والعام عام 1950م، أكبر أساتذة المعهد سناً، فكان الطلاب بمحض طواعيتهم وتلقائيتهم يولونه احتراماً خاصاً، أما مَنْ يكتشف عندهم اهتماماً باللغة العربية وآدابها، وإلماماً مناسباً بالضروري من قواعدها ليعول عليه في القراءة الصحيحة المجانبة للوقوع في خطأ نحوي أو صرفي، فأولاء الطلاب المجلون لهم مكان متميز في نفس الأستاذ قوامه المحبة والثقة والاعتزاز، وقد حصل ذات يوم أن استجبت لطلبه بصدد إعراب جملة فأوفيت بالإجابة على الدقة والتمام من تحديد المبني والمعرب من المفردات وحال البناء ونوع الإعراب لكل منها على شاكلة حظيت بإعجابه ورضاه وقناعته بأن جهوده وأتعابه لن تذهب سدى وتضيع هباءً، إنما هناك من بين الطلبة من يوليه حسن الإصغاء والانتباه واستجماع حواسه وملكاته لاستساغه ما يلقي أو يملي من موضوعات ويفصل حولها، ولأمر لا أفقه كنهه يومها ابتدرني هذا الأستاذ الفاضل بالسؤال : أتحفظ يا بني شعراً لشاعر بلدتكم المرحوم السيد محمد رضا الخطيب؟ فأجبت على الفور وبدون استغراب من معرفة الآلوسي بالخطيب الذي رحل عن هذه الدنيا عام 1946م أي قبل أربعة أعوام من ذلك التاريخ الذي أطالب إبانه بأن أتلوَ مقاطع من شعره، وكنت أحسبه غير موسع عليه بالشهرة أو أنه لم يخص الصحافة بقصائده، وأنه لايعدو أن يكون من شعراء المناسبات، ولم تعهد عنه مواقف محددة من شؤون الساعة وماجريات الأحوال وصلات المحكومين بحكامهم خلال السنوات التي عاشها متصدياً للخطابة من فوق المنابر ومعولاً عليها في التقوت واكتساب الرزق الحلال : بلى أحفظ أبياتاً من قصيدة في هجاء طبيب لم يضطلع برسالته كما يجب من الإسراع لنجدة مرضاه والتهوين من آلامهم وأوصابهم ، وإبداء البشر والتبسط حيالهم من غير إظهار الازدراء والاستعلاء أو اصطناع الوقار والرزانة الكاذبة بإزاء ذويهم في نفس الوقت:

فكرْ لنفسك أيها الدكتور

 

إنْ كان ينفع قاسياً تفكير

قلب الغني تعيره سماعةً

 

وتصم أذنك إنْ أتاك فقير

تا الله إنَّ شهادة طبيَّة

 

صدرَتْ بحقك كلها تزوير

قد قيد الدستور كل موظف

 

وعن الطبيب تقيد الدستور

ورغم أن هذه الأبيات لاترقى إلى الأداء الفني المقبول أو تكتنز بما يهز الوجدان ويهيج الشعور فقد وجدت الآلوسي يعيرها سمعه وإصغاءه في حال من تعاوده الذكريات ويسترجع في ذهنه حوادث منطوية، ودخلني ما يشبه الاعتقاد بوجود صلة ما بينه وبين الشاعر الراحل، وكنت أسمع في ذلك الحين أن الآلوسي معدود من بين مريدي الشاعر الخالد معروف الرصافي وحضّار مجالسه ومحاوراته التي يسترسل عبرها بالإعراب عن آرائه وانطباعاته حول شؤون الحكم وتصرفات الساسة فضلاً عن خطراته السديدة بإزاء قضايا الفكر والفلسفة والدين واللغة وآدابها، وأنه أحد ثلاثة ألفوا حول الرصافي حلقة تحوطه بالاحترام والتوقير في أعقاب عودته من فلسطين بعد قيام الحكم الأهلي في العراق، والصنوان الباقيان هما المرحومان سعد صالح الذي عمت شهرته بين الناس كسياسي متجرد من الريب والأهواء، أو متصرف (محافظ اليوم) نزيه، أو وزير داخلية خلال بضعة شهور غادرها مبرأً من كل عيب أو شبهة في التفريط بمصلحة الوطن والشعب، ولم يعرفوا عنه شاعراً مقلاً أسهم بشعره في الثورة العراقية الكبرى على المحتلين الانكليز، وأنه نظم كثيراً من الأناشيد الوطنية التي تغنى بها تلامذة المدارس في امس البعيد، ومصطفى علي الأديب الكبير ووزير العدل الأسبق، وربما كان الآلوسي أميل من صديقيه إلى المحافظة ولانقول كراهة التجديد، فإن الصلة بين أولاء الثلاثة قوامها الوفاء والتواصل في الظروف الصعبة ولم ينفرط عقدها إلا بعد أن اختار الله لجواره سعداً في عام 1949م ومصطفى علي قبل سنوات قليلة بعد أن قطع أشواطاً من عمره منافحاً عن الرصافي وراداً عنه ما امتحن به من افتئات وكيد حياً وميتاً .

ويقع بين أيدينا بعد هذا التاريخ بسنوات كتاب ( أدب الرصافي ) الذي يتضمن مجموعة الردود التي كتبها مصطفى علي لدحض ما حسبه مفتريات ومطاعن حفل بها كتاب أصدره الأديب المصري بدوي أحمد طبانة إبان فترة انتدابه للتدريس بدار المعلمين العالية بعيد وفاة الرصافي وقدم لـه العلامة الشيخ محمد رضا الشبيبي، لتعريف القراء بالحقائق والوقائع الصحيحة التي رافقت حياته واتصلت بسيرته وجهاده وشعره بسبب وآخر، وفي الرد الختامي منها تتكشف ثمة صلة قوية بين الرصافي وبين الشاعر محمد رضا الخطيب وذلك في معرض التدليل على إقلال الرصافي من استهلاله قصائده بالبكاء على الأ طلال والرسوم، ومن هذا النمط قصيدته التي مدح به العالم المشهور محمد القزويني المتوفى أيام الحرب العظمى، وكان قد نسيها أو لم يحتفظ بنسخة منها بين أوراقه حتى وافاه بها محمد رضا الخطيب مع قصيدة للأخير يباري بها قصيدة الرصافي ملتزماً بنفس الروي المكسور ومطلعها :

هي ذي الديار وذي جآذر حيها

 

فأقم بها لوث الأزار وحيها

وفيها يقول للرصافي :

لك في القريض مواقف مشهودة

 

في الشرق هزّ الغرب صوت دويها

وسياسة كفكفت من غلوائها

 

وجعلت علياها على سفليها

وكأنني بك قد رفضت بأن ترى

 

متربعاً يوماً على كرسيها

ولو أنها قد أنصفتك لاصبحت

 

ولك التصدر في رفيع نديها

لله درك كم بذلت نصائحاً

 

للعرب تهديها صراط سويها

ويستطرد الأستاذ مصطفى علي بعد ذكر الأبيات السابقة إلى القول : " لما أبطأ عليه في الجواب، وكان الرصافي قد انتخب نائباً عن العمارة في مجلس النواب عام 1930م، أرسل قصيدة ثانية مع المرحوم رؤوف الجوهر نائب الحلة مطلعها:

ألهاك كرسي النيابة

 

عن ردٍ منتظر جوابه

فأجابه الرصافي بقصيدته ( إلى محمد الرضا) وفيها يشير إلى قصيدته الأولى التي ذكرته بالزمان الماضي ومراسلته القزويني :

إني لأشكر من محمد الرضا

 

شعراً ذكرت به زماناً قد مضى

ومنها :

أما ذكاء ابن الخطيب محمدٍ

 

فشبيه برقٍ لاح أو نجم أضا

يا أيها الرجل الذي بكتابه

 

للودِ مني بالقريض تعرضاً

إني لأشكر منك خلاً فاضلاً

 

يدني أحبته ويقصي المبغضا

وقريحة ما زدت في استنباطها

 

إلا وزادت بالقريض تفيضا

ولقد نظرت إليّ منك بنظرةٍ

 

فيها الثناء وهكذا عين الرضا

يتبدى على هذا أن الرجل لم يكن بمعزلٍ عن الوسط الأدبي في العراق، الذي كان الرصافي واسطة العقد منه ومن أبرز وجوهه وأعلامه، ويحيط بشكل واضح بما يتعرض لـه الرصافي في حياته من الغبن والإجحاف، وتجاهل مواهبه وكفاياته وابتلائه بحقد القائمين بالأمر عليه وحيلولتهم بينه وبين تسنم المراتب التي يستحق بينا تكون هي الأخرى من نصيب مَنْ يتملقهم ويتزلف إليهم رغم أنه لم تعهد عنه مواقف مشرفة في مجال الذياد عن حقوق الأمة وتبنى مطالبها في الحرية والسيادة والحد من التدخل الأجنبي في شؤونها .

وكان الرصافي بالمثل يجل مكان ( ابن الخطيب) ويرعى منزلته ويحمد لـه موقفه إذ جهر بضرورة إنصافه وإسعاده، وكذا فقد كان للاهتمام الفائق الذي أظهره الأستاذ الآلوسي حيال شعر الخطيب لـه ما يبرره من اتفاقهما في الإعجاب بشعر الرصافي أو تثمين دوره في الكفاح الوطني وسعيه لانجاح آمال العرب القومية، وما لقي جراء ذلك من نقمة الحاكمين وحنقهم عليه إبان مختلف الأدوار، وتفننهم في ابتداع مختلف الوسائل للإساءة إليه أو إسكات صوته ومنها استثارة مشاعر العامة كما سجل ذلك في وصيته .

وقد قدر لي أن أشهد حفل تأبين هذا الشاعر المنسي بقصبة الهندية بمناسبة مرور أربعين يوماً على وفاته في يوم من شهر شباط عام 1946م واستمعت صغيراً إلى كلمات وقصائد في تعداد مزاياه وخصاله على جاري العادة وما يرادف ذلك بطبيعة الحال من إظهار الجزع واللوعة والأسى جراء فقده، وتعليل النفس بعدها أن الموت حتم لامنجىً منه ولا من فرار، وأن لابد من استئناف الحياة والنهوض بتبعاتنا نحوها، كان من خطباء الحفل ذاك- على ما أذكر- الشعراء الراحل عبد الحسين الملا أحمد وخالد عبد القادر وعند المنعم العجيل ومن أصحاب الكلمات جمال مهدي الهنداوي والمرحوم الشيخ محسن أبو الحب .

لم نشرع بكتابة هذا المقال بقصد التفصيل حول مجمل حياة هذا الشاعر والإلمام بمواقفه واستجاباته حيال الأحداث والهزات التي عصفت بهذه البلاد في العشرينيات والثلاثينيات ( من القرن الماضي ) ولغاية تاريخ وفاته بعد منتصف الأربعينات بقليل، إنما توخينا تحليل قصيدته في رثاء الزهاوي التي يعدها كثير من الأدباء من عيون شعره من ناحية تمثيلها لما هو عليه من تفتح فكري ونضج ثقافي وإكبار لإعلام التجديد وأعداء الجمود والتزمت على امتداد تاريخنا الثقافي، فضلاً عمَّا توافر فيها من صياغة بارعة ونسج فني يعكسان حقيقة ما يساوره من تفجع وأسف على غياب الزهاوي عن هذا العالم. ونجد هذه اللقية ضمن كتاب : (الزهاوي، دراسات ونصوص) الذي قام بجمعه وإعداده الأستاذ عبد الحميد الرشودي، مقتبساً لها عن جريدة كانت تصدر باسم (الأنباء) خلال عام 1937م ، ببغداد .

قد تخيل قراءة واحدة للقصيدة أنها من نمط الرثاء التقليدي الذي يعيد صوغ المعاني القديمة مع ما غلب عليها من مبالغة وتهويل في إظهار الجزع واللوعة ، إزاء افتقاد الأحبة وغياب شخوصهم لفرط ما أغرق فيه من تساؤل عن هذا الوافد المجتاح الذي لم يرع ذمة ولا حرمة في سوم ( أم الفخر) الذلة والهوان، وفي العدوان على (أم المكارم) واستباحتها وفي اقتحام عرين الأسد الهصور والاجتراء على تشتيت شمله وبعثرته في كل مكان، حتى المروءات والقيم الخيرة التي تحض على الإباء والرفعة والعز لم تسلم هي الأخرى من صولات هذا الواغل المستبيح، ولكن في قراءة ثانية لها يتضح معها بجلاء صدق عاطفة الشاعر وحقيقة إحساسه أن الدنيا فقدت برحيل الزهاوي عنها رجلاً ألمعياً وشديد الغيرة على مصلحة قومه، ولكم رام أن يجتث القديم البالي من العادات التي أظلتهم زمناً وقعدت بهم عن مجاراة الأمم الناهضة في تطلعاتها المشروعة فلم يمن بغير الإنكار والتسفيه والتصدي حياله بتهم التجديف والمروق، ولأنصار الزهاوي وأشياعه ومريدي دعواته الإصلاحية أن يستغربوا من استمرار الحياة أو استئنافهم لها، وقد أقفرت مما كان يثوره في أجوائها من عجاجة ويحدثه من دوي، وحسبه خلوداً أن يؤول الأمر إلى قناعة المجتمع بصحة ما رامه في حياته من هدف وآخر، ليتعدى ذلك إلى الإقرار بوجاهة ما ساوره من شك أو ظن بحقيقة ما بعد الموت أو قبله، غير منكر على الشاعر في الوقت ذاته إيمانه واعتقاده ، وبهذه الفحاوي يطرد العديد الأكثر من أبيات مرثية الخطيب للزهاوي في الغاية من تسلسل الأفكار وترادف المعاني وتساوقهما مع المعنى في تلاحم وانسجام واقتضاء وضرورة وموافقة، إنه التفجر العاطفي الذي لايعهد الشاعر معه من نفسه حراناً أو توقفاً عن تجسيد خواطره وموحياته، بأروق لفظ وأدل التراكيب اللغوية على الابتكار والاستنباط، فإذا الزهاوي الذي طالما كابد من عنت البيئة وتنكيد أهلها، يغدو في وعي الشاعر (نظام) هذا العصر تشبيهاً لـه بالنظام المعتزلي الذي توخى الدفاع عن العقائد الإيمانية بالبراهين العقلية في أمس الدابر .

فقدت قوافي الشعر فيك إمامها

 

وبنو العروبة شيخها وهمامها

وتبعثرت منه نوادي فضلها

 

إذ كنت زينتها وكنت نظامها

ومجالس الآداب بعدك أقفرت

 

إذ كنت جاحظ فضلها ونظامها

كم أنفسٍ كانت بهديك تهتدي

 

ودّت فداءك أن تذوق حمامها

ومجالس قد كنت حلية بهوها

 

دهراً وتملأ بالهنا أيامها

وحديثك الغض الشهي غذاؤها

 

وبخمرة الآداب تترع جامها

أتراك تعلم حينما أوحشتها

 

آنست من حفر القبور رجامها

قد كنت غيث نزيلها وغياث يو

 

م نزالها عمالها علامها

وأرى حقول الشعر أصبح زهرها

 

يبكي بفقدك يا جميل غمامها

من سام أم الفخر فيك مذلة

 

ومن المكارم من اماط لثامها

من هاجم الأسد الهصور بغابة

 

واحتل من أشباله آجامها

ومن الحفيظة من إبان يمينها

 

قسراً وأسكت في الندي كلامها

من فلّ عاملها وصير سهمها

 

قطعاً وكهّم في النزال حسامها

 

قدر أتيح وما درى من يعرب

 

قد جذّ غاربها وجبّ سنامها

نزلت بمملكة البيان ملمة

 

قد نكست بين الممالك هامها

لله يومك إنَّ ثوب سواده

 

لبقية الدنيا كسا ايامها

عام لرزئك قد مضى ودويه

 

قد أقعد الدنيا أسى وأقامها

ولقد تجاوبت البلاد مآتماً

 

حزناً عليك وسودت أعلامها

ولعظم ما أضنى المصاب قلوبها

 

أنضت إليك وأتعبت أجسامها

وتجسمت تطوي الحزون ملمةً

 

بثرى حواك فهل تعي إلمامها؟

وأتت مسلمةً عليك وفودها

 

وبرغمها أن لا ترد سلامها

وافت بها الذكرى إليك مغذةً

 

لتحيي من تلك الرفات عظامها

وتجاوبت ل  ك بالرثاء فهذه

 

مصر ببغداد تساجل شامها

إلى هذا الحد من الاسترسال و (إشباع المعنى) ينتهي الحديث عن فلسفة الموت ليبدأ الشاعر بعده حديثاً يمتزج فيه الفخر والشعور بالمرارة معاً، فخر بالانضواء في رهط رواد الحقيقة الذين أخذوا على عاتقهم مهمة هدي البشر إلى الخير والحق دون أن يثنيهم عنه ازراء أو انتقاص ملمحاً في ذلك إلى ما حاق بالزهاوي من تهمة المروق والتجديف جراء انطلاقه بدعواته الإصلاحية، وكان من رحابة الأفق وسجاحة الخلق بحيث لم يمتلك الحقد والاضطغان نفسه بعد هذا الحادث بازاء من تحاملوا عليه وحنقهم عليه وكراهيتهم (للامتياز) وذويه، فمهما تمادى الجهال في محاربة المصلح وتوهين عزيمته وقسره على مجاراة المألوف السائد، فلن يفلحوا في (تجاوزه) أو (مساماته) في أقل تقدير، والسمت في معاجم لغتنا الكريمة يعني هيئة أهل الخير، ومبعث المرارة هو إحساس الأديب بغربته بين أهله وزهدهم في معطياته ورسالته معاً، ويهون الأمر لو لم يستجلب وجوده في الدنيا عداواتهم. وبهذه الفحاوى التي دلل عليها في غاية من الإيمان بالحرية العقلية والاعتزاز بسير ابطالها في التاريخ وما تكشّفوا عنه في مواقفهم بإزاء الإلواء والتثبيط من عناد وإصرار ومضاء في العزيمة، أمكن لـه أن يؤول في نسجه وصياغته إلى ضرب من الوحدة العضوية أو الترابط بين أبياته الشعرية مبنى ومعنى كصدىً لما يستولي عليه من فورة الإحساس وجيشان الشعور حتى ليقترب في هذه (الوصلة) الأخيرة من قصيدته من شعر الفطرة الذي لايستدعي بالضرورة كداً في تخير الألفاظ واسترفاداً من المحصول الثقافي الغزير رغم اقترابه من تمثيل تجربة الشمول الإنساني والصدور عنها، وتوفقه في ابتداع المعاني الباقية التي تصح لكل زمن ومكان حتى وأن سبقه الآخرون إليها، أو كان مجهوده منها متراوحاً بين التقليد واشتقاق معانٍ غيرها.

فقدت بك الدنيا كبير سراتها

 

وعميدها وعمادها وقوامها

حامي حمى الآداب ركن بيانها

 

سيافها مطعانها مقدامها

وإذا الحقيقة قد كبت من عثرةٍ

 

أخذ الجميل بكفها فأقامها

وإذا دجا ليل الجهالة مظلماً

 

بضياء حكمته ينير ظلامها

×      ×      ×      ×

أأخا الفلاسفة الذين بهديهم

 

ساسوا النفوس وشذبوا افهامها

وتسنموا كرة الأثير وأبلغوا

 

تلك النفوس العاليات مقامها

ورقوا إلى أوج السماك ترفعاً

 

عن عالم سلب الورى أحلامها

وتصرفت بهم العقول لأنهم

 

ملكوا من النفس الحرون زمامها

سعدوا بآخرة النعيم وخلفوا

 

دنيا الشقاء لمن يريد حطامها

بدا ابن سينا عهدها وتسلسلت

 

ثم انطوت بك حين كنت ختامها(×)

×      ×      ×      ×

إن الثمانين التي بلغتها

 

وبها حملت من خطوب جسامها

قطع من الأوصاب لو صُبت على

 

ثهلان ساخ ولم يطق إيلامها

تتحامل الدنيا عليك بكيدها

 

وتراك تغفر دائماً اجرامها

هي هضبة الشرف الرفيع منالها

 

يخشى الزمان ولا يطيق زحامها

فقضيت تندبك الحياة وقد رأت

 

بل ظاعناً لم يقترف آثامها

وبعد أبنا حاجة للقول أنا كنا بإزاء شاعر منفتح الآفاق والرؤى، منطوٍ في قرارته على احترام رادة التنوير العقلي في تاريخ الثقافة العربية، ونضيف أن من مفارقات حياته أن (محيطه) أو الوسط الذي درج فيه، لفرط ما ران عليه في حقبة ماضية من ركود أو تزمت و(بغض الفكرة المنطلقة) لم يتلمس منه هذا الجانب، وأنه من ناحيته آثر طيّه وإخفاءه .

ما التقيت الأستاذ الصحافي عبد القادر البراك في ( باص) مصلحة نقل الركاب أو مقهى بغدادي ، ويستطرد بنا الحديث عن الأدب والخوض في شؤونه، إلى ذكر هذا الشاعر المغبون والمنسي حتى يستغرق البراك من حال من الوجد والطرب منشداً المقطع الأخير من هذه القصيدة الرائعة بدءاً من قول الشاعر " بدأ ابن سينا عهدها ....."، وأجدني بعدها متوافقاً معه في إنشاده، منسجماً وأدائه وإيمائه باليد، في غير التفات لمن حولنا من ناسٍ! .

 

 

 

مهدي شاكر العبيدي


التعليقات

الاسم: علاء الكتبي- الهندية
التاريخ: 03/04/2011 12:15:21
الاديب الكبير الاستاذ مهدي شاكر العبيدي المحترم
السلام عليكم
بارك الله بهذه الدراسة الموفقة انها فسحة ممتعة مع مفخرة الهندية السيد الخطيب ولا جعله الكتاب شاعرا منسيا بوجود ادباء من امثالكم الغيارى لنشر تراث هذه المدينة الخالدة سدد الله عزمكم ومزيدا من الابداع يا استاذي الجليل ,
ابن اخيك علاءمحمد حسن الكتبي




5000