.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


سقوط آل القذافي.. واسترداد الحلم الليبي المغتال

التجاني بولعوالي

بؤس الواقع ورمزية التاريخ 

مثل غيري من أبناء جلدتي ومن أقراني لم أكن أعرف عن ليبيا إلا بعض الشذرات المتفرقة مما دُرّس لنا قبل عقود، في بعض المقررات المدرسية  التاريخية العتيقة، كالأصل الأمازيغي لسكان ليبيا الأوائل، وتعرض المنطقة قبل الفتح الإسلامي لمختلف الحملات الاستعمارية، كالرومانية والإغريقية  والوندالية والبيزنطية، وغيرها، واستقرار الفينيقيين في بعض سواحلها، وصولا إلى العصر الحديث، إذ تمثل المقاومة الباسلة بزعامة البطل عمر  المختار للاحتلال الإيطالي أهم حدث تاريخي على الإطلاق، ما تني تداعياته تسكن الذاكرة الجمعية والثقافية، ليس على الصعيد الليبي فحسب، وإنما على المستوى الإسلامي، بل والعالمي كذلك. وقد سجل التاريخ بماء من ذهب قصة الصمود التي صنعها ذلك البطل الشهم، الذي يندر معدنه في هذا الزمن الرديء، وقد فضل حبل المشنقة على إغراءات العدو ومساوماته، وهو يردد قولته المشهورة: نحن لا ننهزم.. ننتصر أو نستشهد! كيف لا؟ وقد عقد العزم منذ البداية على أن يسترد حق الحرية والحياة، اللذين سلبا منه ومن وطنه من قبل العدو، وهذا ما يتضح مما قاله أو كتبه ذات يوم: "إنني أؤمن بحقي في الحرية وحق بلادي في الحياة، وحينما يقاتل المرء لكي يغتصب وينهب، قد يتوقف عن القتال إذا امتلأت جعبته، أو أنهكت قواه، ولكنه حين يحارب من أجل وطنه يمضي في حربه إلى النهاية".

تأتت لي في صيف العام الماضي (غشت 2010) فرصة زيارة العاصمة الليبية طرابلس، بمناسبة الاحتفال بالعيد الوطني للشباب، وقد تلقيت الدعوة إلى حضور تلك المناسبة، من قبل ثلة من الأصدقاء الكتاب والإعلاميين الليبيين. وقد ترددت أولا في المشاركة في ذلك الاحتفال، ليس بحكم الالتزامات العائلية والعملية، وتزامن ذلك الحدث مع قدوم شهر رمضان المبارك فحسب، وإنما بسبب غموض الرؤية حول هذا النشاط ذي الطابع الاحتفالي، وعدم معرفتي الكافية بمن يقف وراءه من مخططين ومنظمين، وغير ذلك من التفاصيل الجزئية. وبعيد بحث أولي في بعض جوانب هذا النشاط؛ قراءة واتصالا، صممت على أن أحضر بغرض الاحتكاك عن كثب بالواقع الثقافي الليبي من جهة أولى، والالتقاء مع بعض المثقفين والإعلاميين الذين حجوا إلى هذه الاحتفالية من أكثر من أربعين دولة عربية وغربية من جهة أخرى.

وبفضل ذلك تسنى لي التعرف المباشر على الواقع الليبي العام، الذي كنت أجهل الكثير من محاسنه ومساوئه؛ من حيثياته الإيجابية والسلبية، التي لولا هذه الزيارة ما تمكنت من الاطلاع العيني عليها. وقد عبرت عن ذلك في نقاشات دارت بيني وبين بعض المشاركين، وفي تصريحات أدليت بها لبعض وسائل الإعلام الليبية. وتتحدد أهم الانطباعات التي كنت قد سجلتها آنذاك، من خلال العناصر الآتية:

المفاجأة غير المتوقعة: قبل أن تحط بنا الطائرة في مطار طرابلس الدولي، كنت قد نسجت صورة معينة حول ليبيا "القذافي" و"النهر العظيم" و"البترول" و"الثورة" و"التنمية"، وغير ذلك من العناوين البراقة والرنانة، التي تجلدنا بها وسائل الإعلام الليبية الرسمية ليل نهار، غير أن تلك الصورة المزركشة سرعان ما تبددت أمام حقيقة الواقع أو واقع الحقيقة في ليبيا. حيث تبدو طرابلس بكل رمزيتها التاريخية والنضالية مدينة مسكينة، ينخر شوارعها التهميش والبؤس واليتم، كأنها مفصولة تماما عن أهازيج الثورة الخضراء التي يُنظّر لها القائد، وتروجها زبانيته الاستخبارية والإعلامية، وعن ثمرات التنمية التي مرت على غرس نقلاتها أو بذورها عقود طويلة، غير أنها لم تزهر بعد! كنت أضع طرابلس في مقام دبي أو الشارقة أو الدوحة أو غيرها من العواصم العربية، التي استفادت من حصاد الذهب الأسود، لكن بمجرد ما شاهدت بأم عيني طحالب التهميش، وهي تتخلل هذه المدينة في كل مكمن من جسدها المُعنّى، صرت أقارنها بالمدن المغربية المتوسطة الشأن، كوجدة وتطوان والجديدة، ونحو ذلك، ليس من باب الشماتة أو التنقيص، وإنما من باب التحسر والتأسف على هذه المدينة الدافئة دفء أهلها الشرفاء والكرماء، التي حرمت من أدنى البنيات والتجهيزات والمرافق العمومية، كشبكة مواصلات حديثة من قطارات وترامات وحافلات، وبنيات عمرانية متقدمة، ومكتبات راقية، ومسارح متميزة، ومؤهلات إعلامية مستقلة، وغير ذلك.

الرخاء الليبي المفقود: كنت دوما أقارن ليبيا بالدول الخليجية، ليس فيما يرتبط بالبِنى الطرقية والعمرانية والتجهيزية فحسب، وإنما فيما يخص علاقة الدولة بالمواطنين، التي ينبغي أن تؤسس على مبدأ التبادل العادل للحقوق والواجبات، وهو ما ظل الرئيس الليبي طوال أكثر من أربعة عقود يردده في خطبه العنترية، وكتاباته السيكوباثية، ودستوره الأخضر؛ الذي ما هو بأخضر! حتى أن المرء كان يستغرب عندما يصادف مثقفين ليبيين (وما أكثرهم!) في الغرب، يحملون وضعية لاجئ سياسي أو إنساني، ولا يستوعب مثل هذه الحالة بشكل منطقي، في ضوء الإمكانات السياسية والاقتصادية التي يوفرها النظام الجماهيري الليبي. لكن وجودي القصير على التراب الليبي أماط لي اللثام عن المزاعم الخفية للسياسة الحديدية التي يمارسها الدكتاتور الليبي، الذي قال على لسانه الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش:

"نغير تقويمنا السنوي.. ننقش أقوالنا في الرخام
وندفنها في الصحاري ليطلع منها المطر
على ما أشاء من الكائنات
وأحمل عاصمتي فوق سيارة الجيب،
كي أتحاشى المطر.. وما من خبر؟
وأكتب في العام عشرين سطرا بلا خطأ نحوى،
وتعرف يا شعب أني رسول المقدر
وألغي الزراعة، ألغي الفكاهة ، ألغي الصحافة
ألغى الخبر.. وما من خبر؟" (من قصيدة خطاب الدكتاتور العربي).

وهكذا اكتشفت مدى التضليل والتزييف الذي ينطوي عليه الخطاب الرسمي الليبي، وتسوقه وسائل الإعلام الليبية في الداخل والخارج، إلى جانب بعض المؤسسات الثقافية الحقيقية أو الوهمية المدعومة بأموال الشعب الليبي المحروم منها. من هذا المنطلق، إن رفاهية الشعب الليبي التي تصورها الجرائد الرسمية الصفراء، ونشاهدها في الإعلام الفضائي المؤدلج أو "المجمهر!"، ما هي إلا سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، وما هي إلا محض خرافة، لا يعلم حقيقتها إلا من يتلظى بجمرها من شرائح المجتمع الليبي، كالإسلاميين بمختلف أطيافهم، وأمازيغ الداخل والشتات، والمثقفين الحداثيين، والتيار الشبابي الرافض لوصاية آل القذافي، وغيرهم.

رمزية القائد المزيفة: إن أول ما يسترعي انتباه المرء وهو يلج التراب الليبي هو الحضور الرمزي المكثف لشخصية الرئيس، في كل شارع وساحة ومنبر ونادٍ وحدث، وهو يلوح بقبضة يده في الهواء، مقلدا الزعماء الاشتراكيين التقليديين، كماو تسي تونغ، وتشي جيفارا، وفيديل كاسترو وجمال عبد الناصر، وغيرهم. إلى درجة أن صور القائد تداهمك وأنت تجول في أية مدينة أو حي ليبي من كل اتجاه، وهي تأخذ أشكالا جميلة متنوعة، والقذافي يأخذ بداخلها أوضاعا مختلفة (واقف، جالس، يخطب، يصلي، يشير بيده...) وألبسة مختلفة (ليبية تقليدية، أفريقية، غربية، عسكرية...) وألقابا مختلفة (القائد، الأب، الأخ، الفاتح، العقيد...). مما يجعل كل متابع لهذه الدراما السوداء يُقيّم المجتمع الليبي من خلال هذه الشخصية الغريبة الأطوار، فيحسب أن الليبيين كلهم شَبهٌ له، وأن القذافي أنموذجهم الفكري والثوري الأوحد المتفرد، الذي لا يحتذى إلا به، كأن السياق الليبي يكاد يخلو من المفكرين والمثقفين والمبدعين ومختلف الكفاءات العلمية. حتى أن ثورة 17 فبراير الأخيرة كشفت للناس الكثير من الحقائق، التي ظلت غائبة ومستغلقة، مما جعل البعض يتساءل باستغراب؛ كيف يحكم ليبيا رجل متغطرس لا يعرف حتى التحدث ببيان، والواقع الليبي يزخر بالسياسيين والمثقفين الفصحاء والمتميزين؟!       

سحر الطبيعة وعبق التاريخ: لا ينبغي أن تُختزل ليبيا في النفط وحده، كما يَرُوج في أغلب وسائل الإعلام الغربية، أو في قضية لوكربي وحدها، كما يسوق العديد من السياسيين والمنظرين الغربيين. والأدهى من ذلك، أن هذه النعوت النمطية تسربت كذلك إلى الواقع الثقافي العربي، الذي عادة ما يركز على الصفة النفطية لهذا البلد أو غيره، على حساب الكثير من الخصوصيات التاريخية والطبيعية، التي تظل مغيبة عن القارئ والمتابع. وهذا ما ينطبق على المشهد الليبي، الذي كنت أجهل قبلا امتداده التاريخي وتنوعه الطبيعي وغناه التراثي، وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى مختلف المآثر الأثرية والتاريخية القديمة، كمدينتي لبدة وصبراته الرومانيتين، ومدينة قورينا الإغريقية، وآثار منطقة شحات الفينيقية، وتتضمن هذه المواقع أجمل المآثر التاريخية في العالم، كالمسارح والأعمدة والمعابد والحمامات، وغير ذلك. والمؤهلات الطبيعية الكبيرة من سواحل وجبال وصحارى. والتراث الغني، إذ يكفي أن ليبيا تحوي أكثر من مليون حافظ للقرآن الكريم، أي ما يعادل خمس السكان، وقد ذكرت صحيفة الإسلام اليوم أن ليبيا حصلت "على المركز الأول على 86 دولة سبع مرات في مسابقة دبي الدولية لحفظة القرآن التي تنظم كل سنة في رمضان." (الإسلام اليوم، الاحد 27 ذو القعدة 1430 الموافق 15 نوفمبر 2009).

تخلق الإنسان والمجتمع: يعتبر الرقي الأخلاقي للمجتمع الليبي أهم اكتشاف يتوصل إليه أي زائر لهذا البلد، الذي يبدو أكثر محافظة وتخلقا، يندر أن نجد له مثيلا في العصر الحديث، ولا يمت ذلك بأية صلة إلى الرجعية أو الماضوية، كما يذهب بعض المفكرين العرب الذين تشربوا الأفكار الغربية الليبرالية والحداثية. إن تخلق الشعب الليبي لا يتجلى فقط من خلال ما هو ظاهري، كالحجاب والتدين والسلوك الحسن، وإنما من خلال بنية تفكير الإنسان الليبي وتصوره للحياة، فهو أميل إلى البساطة والقناعة والإيثار منه إلى التعقيد والجشع والاستئثار، ولعل مرجع ذلك، بالدرجة الأولى، إلى طبيعة المجتمع الليبي، الذي ينبني على العلاقات العشائرية المتماسكة، التي تتسم بالمناعة الذاتية الرافضة لكل سلوك شاذ أو جسم غريب. ولا يتعلق هذا الجانب الأخلاقي الرفيع بالفئات العمرية المسنة فحسب، وإنما بشريحة الشباب الذي يشكل مادة المستقبل المتجددة، في بلد تقل فيه نسبة الجريمة المنظمة وتعاطي المخدرات، وغيرها من الآفات المهددة للمجتمعات العربية والمسلمة.

صناعة السلطة واستباق الزمن

هكذا إن حضور احتفالية العيد الوطني للشباب الليبي لا تجعل المشارك فيها يقف على هذه الحقائق الواقعية فقط، التي صارت اليوم في متناول الجميع، بمجرد نقرة واحدة على محرك البحث "الشيخ كوكل"، وإنما يتعداها إلى ما هو أعمق من الحقائق، أقتصر في هذا المقام على حقيقتين جوهريتين:

•·        أولاهما تتعلق بالتوظيف الأيديولوجي لبعض الجوانب المشرقة من التاريخ الليبي، لاسيما تاريخ المقاومة ضد الاستعمار التي قادها شيخ المجاهدين عمر المختار، ولا يفوت المسئولين استثمار حمولة هذا الرمز، سواء من خلال التذكير ببطولته الفذة، أم من خلال الاحتفاء بأثره كما يلاحظ كل وافد على المتحف التاريخي الليبي، الذي دشنه سيف الإسلام القذافي أثناء هذه الاحتفالية. وما يسترعي النظر أن الخطاب الرسمي الليبي ينبني على الازدواجية والتناقض، فهو يوهم الشعب بأنه امتداد للتاريخ النضالي المجيد، غير أنه لا يتوانى في ربط العلاقات السرية والعلنية مع الجلاد التقليدي، إذ تجمع القذافي برئيس الوزراء الإيطالي برليسكوني علاقة من العيار الثقيل، وتشير بعض الوسائل الإعلامية إلى أن سيف الإسلام تربطه علاقة غرامية مع الممثلة الإسرائيلية أورلي فاينرمان، التي يلتقي معها بشكل سري في إيطاليا، كما ذكرت صحيفة معاريف الإسرائيلية في عدد 13 يناير 2006.

•·        وثانيهما أن احتفالية العيد الوطني للشباب الليبي، كشفت وقتئذ عن أن القذافي سائر في إعداد نجله سيف الإسلام ليكون خلفا له في الحكم، عن طريق التوريث التدريجي، الذي كان قد بدأ يأخذ أشكالا تجديدية، ظاهرها التشكيك في النظام القائم، كما كان يبدو من خلال تصريحات وخرجات سيف الإسلام الإعلامية، وباطنها التخطيط السري بين آل القذافي لإحكام القبضة على زمام الحكم في ليبيا. ويبدو أن الهدف الرئيس من ذلك النشاط الهائل، الذي حضره أكثر من ألف مشارك من مختلف المناطق والقبائل الليبية، ومن العديد من الدول العربية والإسلامية والأفريقية والغربية، لم يكن إلا الترويج المسبق لنجل القذافي سيف الإسلام، باعتباره أنموذج المرحلة القادمة، الذي ينبغي أن يقتدي به شباب ليبيا، ويعول عليه المجتمع الليبي في المستقبل.

لكن ألا يندرج هذا الحدث في ما يمكن أن نطلق عليه "صناعة السلطة" في ليبيا، وحشد جماهير المثقفين قبل جماهير الشعب لتزكية هذا الخيار الأيديولوجي الرسمي ومباركته، ومن ثم استباق سهم التاريخ الذي يتجه رأسه نحو المجهول والغيب بسرعة الضوء لا بسرعة الماء أو الريح؟ ثم، ما مدى تجاوب الشارع الليبي مع توريث السلطة من خلال نقلها إلى ملهم الشباب الليبي، الأكثر انفتاحا وعصرية وعولمة من أبيه الثوري التقدمي الاشتراكي؟

أجل.. إن مهندسي الفكر الجماهيري كانوا يستبقون الزمن، وهم يخططون للمرحلة القادمة بعقلية السبعينات والثمانينات، التي تؤسس رؤيتها على الإقصاء والتدجين والإرهاب الفكري والإعلامي، دون أن يدركوا أن العالم من حولهم يتغير، وأن العبد يراقب سيده عن كثب، والضحية تتربص بجلادها دوما، والمواطن يحاسب نظامه في صمت، وريثما تتأتى له الفرصة، لن يتردد ولو ثانية واحدة عن الانقضاض والانفجار والثورة. وهذا ما حصل بالضبط في مختلف ربوع العالم العربي، ولم تنج قلعة القذافي، التي صمدت أكثر من أربعة عقود زمنية أمام ريح التهديدات الغربية وزوابع الثورات الداخلية، من الزحف الشعبي الذي ينسج امتداداته شباب الفايس بوك واليوتوب والإعلام الجديد، الذي لا يكترث بتهويمات القائد الثورية وهلوساته المبهمة!

لعل النموذج المستقبلي الذي ظل يُسوقه النظام الليبي منذ انطلاق الألفية الثالثة، كان يلقى التجاوب النسبي لدى بعض شرائح المجتمع الليبي، جراء تضافر جملة من الحوافز الواقعية، التي كان سيف الإسلام يضرب على أوتارها الحساسة، ليدغدغ بها مشاعر الشباب الذي دجنته الرتابة والوصاية، وتتحدد أهم تلك الحوافز فيما يأتي:

•·        انتقاد سيف الإسلام المتكرر لنهج أبيه في الحكم وتدبير شؤون البلاد والعباد، مما طمأن بعض فئات الشعب بجدية وصدق هذا الشاب المتنور، الذي كان يتراءى قبل خطابه غداة الثورة لا يشبه أباه، أو حتى آل القذافي!

•·        انفتاح سيف الإسلام على بعض الدول الغربية المؤثرة، قصد الاستفادة من تجاربها التنموية والديمقراطية، واستثمارها في خدمة الواقع الليبي المزري والمتردي، مما زرع في العديد من الشرائح المجتمعية بصيص الأمل، الذي تبدد من النفوس كليا بسبب أسلوب القذافي في الحكم، الذي لا أسلوب له!

•·        شروع سيف الإسلام في إطلاق مختلف المشاريع الكبرى، التي تغطي شتى المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية وغيرها، مما كان يوحي دوما بأن إنزالها على الواقع يعني تحقيق القطيعة مع الماضي التقليدي، الذي حكم على ليبيا بالتأخر القسري، رغم إمكاناتها الطبيعية والبشرية والتاريخية المتنوعة.

•·        اعتماد سيف الإسلام في الاستراتيجية التي كان يعدها لمستقبل ليبيا، على شريحة الشباب الطموح، المؤمن بوطنيته، المحب لتاريخه، والمحافظ على تقاليده المعتدلة... إذ كان يشركهم في مختلف المبادرات الثقافية والفعاليات الاجتماعية التي يتم تنظيمها، كأنه كان يعدهم للمرحلة القادمة.   

ومن شأن هذه الخصائص وغيرها أن تؤهل نجل القذافي ليكون شخصية شبابية كاريزمية في السياق الليبي، غير أن هذه الخصائص سوف لن يكتب لها الصمود الطويل أمام زحف الثورة الشعبية، التي عرّت سريرة سيف الإسلام، فسقطت أوراق التوت لتبدو الحقيقة عارية، ولا يعدو أن يكون هذا الشخص في عيون الشعب والشباب الليبيين، وفي عيون كل من احترم أريحيته المزيفة وطيبوبته المصطنعة، إلا بمثابة الشجرة التي تواري خلفها غابة كثيفة من قمع آل القذافي واضطهادهم واستبدادهم الشنيع، مما أثبت قطعا زيف هذا "الولد الليبي"، وخداع الخطاب السياسي الذي كان يتبناه، وتسلط الأيديولوجيا التي كان يروج لها محليا وإقليميا وعالميا.

أبواب آل القذافي تقرعها ريح الثورة!

شتان ما بين الرياح التي قرعت منذ زمن بعيد باب الشاعر العراقي بدر شاكر السياب، وهي تحمل له ذكرى الأمومة وقبلاتها، "البَابُ مَا قَرَعَتْهُ غَيْرُ الرِّيحِ في اللَّيْلِ العَمِيقْ/البَابُ مَا قَرَعَتْهُ كَفُّكِ./أَيْنَ كَفُّكِ وَالطَّرِيقْ/نَاءٍ؟ بِحَارٌ بَيْنَنَا، مُدُنٌ، صَحَارَى مِنْ ظَلاَمْ/الرِّيحُ تَحْمِلُ لِي صَدَى القُبْلاَتِ مِنْهَا كَالْحَرِيقْ/مِنْ نَخْلَةٍ يَعْدُو إِلَى أُخْرَى وَيَزْهُو في الغَمَامْ". (من قصيدة: الباب تقرعه الرياح)، وبين الريح التي تقرع هذه الأيام أبواب آل القذافي، وهي محملة ببذور التغيير ولقاح الثورة، ولا تنفع معها السراديب الأرضية التي جهز بها الطاغية قصوره، تجنبا لأدخنة الحرب وغازاتها الفتاكة، ومثله في ذلك كمثل ابن نوح الذي آوى إلى الجبل اتقاء لأمواج الطوفان العاتية، {قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين} هود/43، وهو يغفل أن لا عاصم من ذلك الموقف إلا صانعه الذي هو الله تعالى. كذلك نرى اليوم القذافي وقد نسي أن قصوره المشيدة وسراديبه المجهزة، سوف لن تقيه من سلطان الموت، وسوف يكون لا محالة من المغرقين! فيتجرع علقم الموت وغسلينه الذي كثيرا ما استهزأ به، كما فعل في كتابه: (القرية القرية... الأرض الأرض... وانتحار رائد الفضاء)، الذي تضمن قصة بعنوان الموت، ورد فيها: "فعليكم بمقاومة الموت لإطالة أعماركم، مثل أبي الذي لم يستسلم له يوماً، وقاتله دون خوف منه حتى بلغ مئة سنة، برغم أنف الموت الذي أراد أن ينهيه في الثلاثين"، وهو يضرب عرض الحائط قول الله سبحانه وتعالى: {قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردّون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون} الجمعة/8.

إن القذافي الذي تربع على عرش ليبيا أكثر من أربعين سنة عجافا، لو أنه استثمرها في العمل الجاد والهادف، لقدم للعالم نموذجا متميزا لا يقل قيمة وإشراقا عن الدويلات الخليجية التي كانت أقل شأنا من ليبيا، لذلك ينبغي أن تُقارن بها لقياس درجة التطور الذي حققته أو لم تحققه.

•·        أولا: لأنه يوجد تشابه كبير، بين ليبيا ودول الخليج العربي، من حيث المؤهلات الطبيعية والطاقية، من صحراء ونفط وغاز. ثم إن بداية الطرفين في الاستفادة من هذه المؤهلات يكاد يكون متقاربا على المستوى الزمني. 

•·        ثانيا: لأن البنية المجتمعية لكلا الطرفين تتماثل، فهي تتخذ طابع العشائرية والقبائلية، ولا زال ذلك الطابع قائما ومستمرا، لكن في ليبيا بشكل قوي وعميق.

•·        ثالثا: ثم إن هناك تشابها على مستوى التركيبة الديمغرافية، التي تبدو معتدلة وغير كثيفة، يمكن للطرفين التحكم في توجيهها؛ كيفا وكما.  

على هذا الأساس، رغم أنه ثمة تشاكلا كبيرا بين الدولة الليبية والدول الخليجية (الإمارات العربية المتحدة، قطر، سلطنة عمان والبحرين) فيما يتعلق بالظروف التاريخية والاجتماعية والاقتصادية، إلا أن هذه الدول عرفت كيف توظف الإمكانات المتاحة لها، في خدمة مجتمعاتها البدوية والتقليدية، وترقيتها إلى مجتمعات أكثر تمدنا وتنظيما، في حين استنزف القذافي خيرات ليبيا ومؤهلاتها في استيراد الثورة من المعسكر الشرقي البائد، وزرع قلاقلها وبلابلها في مختلف مناطق العالم، وهو ينفق مليارات الدولارات قصد الترويج الإعلامي والأيديولوجي لمجده المزيف وفلسفته المتعفنة.

حكى لي أحد أصدقائي الذي عمل مدة من الزمن مستشارا لدى الرئيس الليبي معمر القذافي، أن الأمير زايد آل نهيان الذي عمل على توحيد الإمارات السبع التي كانت مشتتة، مباشرة بعد الانسحاب البريطاني من الخليج العربي عام 1971، ليصبح أول رئيس لدولة الإمارات العربية المتحدة، توجه آنذاك إلى الرئيس الليبي قصد طلب المساعدة المادية لإصلاح القصر الذي يستقبل فيه الضيوف، فمنحه خمسة مليون دولار بطريقة ملؤها التكبر والصلف والتعجرف. والآن، بعد مضي أكثر من ربع قرن على ذلك الحدث، لم يعد هناك أي مجال للمقارنة بين الواقع الليبي المتردي والمهمش، والإمارات العربية المتحدة بمختلف مدنها الحديثة، التي أضحت تنافس الكثير من الحواضر الغربية.

إن كل من يزرع الريح سوف يحصد لا محالة العاصفة! كما يقول المثل، أو بالأحرى سوف تحصده العاصفة بالمنجل ذاته الذي كان يسفك به دماء الأبرياء والمستضعفين. وها الدور قد أتى على طاغية ليبيا، إذ تثبت كل المؤشرات أن العد العكسي لنهايته قد بدأ، وتتضافر شتى الأسباب الداخلية والخارجية لإنهاء الفصل الأخير من مسرحيته المونودرامية، التي كتبها بأيديه منذ زمن طويل، وقد شاءت له الأقدار أن يحضر تفاصيلها المأساوية، ويشهد وقائعها التراجيدية، بل ويشكل شخصية رئيسة فيها، ترمز إلى المجد الزائف والإحباط والهزيمة، كما هو حال دون كيشوت دي لامانتشا؛ بطل رواية (دون كيشوت) للكاتب الإسباني ميخيل دي سرفانتيس، الذي مضى يناطح الأشباح والأعداء الوهميين بمجد الفروسية المستلهم من الماضي، وبعد ردح من الزمن سوف يصيبه الإحباط، ويندم على هذا الفعل غير العادي الذي اكتسبه من قراءته لكتب الفروسية. يقينا أن دون كيشوت لا يعدو أن يكون إلا شخصية رمزية متخيلة في رواية كوميدية، في حين أن القذافي شخصية واقعية ملموسة، غير أن القاسم المشترك بينهما هو السعي خلف سراب المجد، ثم الإحباط العارم بعد مواجهة شاقة ومضنية، ثم في آخر المطاف، الهزيمة النكراء أمام حقيقة الواقع. على أن هزيمة دون كيشوت ذات طابع رمزي وذهني، عرف كيف يتعلم من تجاربها دروسا عظيمة لا يكتفي بها هو وحده، بقدر ما ينقلها عبر متعة السرد إلى القارئ والجمهور، أما هزيمة القذافي، فذات ملمح حقيقي معيش، تسببت في وقوعها شخصيته الأنانية والمتغطرسة.

هكذا فإن ثورة 17 فبراير أماطت اللثام عن حقيقة الرئيس الليبي وآله، وكشفت للعالم قاطبة طبيعته الاستبدادية التي تحدث عنها عبد الرحمن الكواكبي قبل أكثر من قرن من الزمن، في كتابه (طبائع الاستبداد)، وخلص إلى أن استبداد الحكام هو المسئول عن تخلف الأمة العربية والإسلام وتأخرها؛ الاستبداد بكونه كما تقول الحكمة أصلا لكل فساد، والاستبداد باعتباره "غرور المرء برأيه والأنفة عن قبول النصيحة أو الاستقلال في الرأي وفي الحقوق المشتركة"، كما يفعل القذافي الذي آثر أن لا يسمع إلا إلى نفسه المريضة، دون أن يعير أي اهتمام لمطالب شعبه، ونصائح رفاقه، ورسائل العلماء والمثقفين والخبراء، فأصبح يسري عليه قول الله عز وجل في الآية 46 من سورة الإسراء: (وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا).

بناء على ما سلف من القول، أخلص إلى أن الثورة الليبية تشكل حلقة أساسية من سلسلة التغيرات الجذرية، التي تشهدها المنطقة العربية وشمال أفريقيا، وتختلف نوعا ما عن الثورتين التونسية والمصرية، لاسيما فيما يتعلق بموقف النظام المتعنت والمتصلب، الذي يقوم بكل ما في وسعه لإجهاض تحركات الشارع الليبي، عن طريق توظيف كتائب الأمن التابعة له، ومجموعات من المرتزقة الأجانب، الذين اشترى ذممهم بالأموال والعطايا الهائلة، ضاربا عرض الحائط المواثيق الدولية والأعراف الإنسانية وتعاليم الدين الإسلامي الحنيف. غير أن ذلك كله لم يصرف الشباب  عن نشدان مطمح الثورة، فلم تتفتت إرادة الشعب الليبي وهمته أمام فتك السلاح وسفك الدماء، بقدر ما حفزها أكثر على المضي قدما على درب هذا الخيار المصيري والاستراتيجي، ومن سار على الدرب وصل. ثم إن هذا الحدث الجلل لم يقتصر على تعرية حقيقة آل القذافي؛ أبا وأبناء فحسب، وإنما بعثر أوراق الكثير من الجهات الثقافية والسياسية، التي كانت لها باع طولى مع النظام الليبي المستبد، وغضت الطرف زمنا طويلا عما يحدث في الواقع الليبي، من تجاوزات وانتهاكات مقابل جملة من الامتيازات الاقتصادية التي خص بها في العقد الأخير بعض الدول والحكومات الغربية، هذا ناهيك عن الكرم الحاتمي الذي ظل يغدقه على الكثير من الأنشطة والمبادرات والمراكز الثقافية الخارجية، في شكل ميزانيات سرية وأظرفة مالية، يستفيد منها أشباه المثقفين وسماسرة السياسة والمتاجرون بالدين، الذين لاذوا الآن بالصمت المطبق، لا يحركون ساكنا، وهم يتابعون بمرارة وذهول تفاصيل سقوط آل القذافي، واسترداد الحلم الليبي المغتال!                   

 

        

 

 

 

التجاني بولعوالي


التعليقات




5000