هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


أين تكمن قيمة أي عمل أدبي

محمد الأحمد

أنا من رأى (جحشه) بأم عينه في محطة القطار (بعقوبة) التي شيدها الانكليز لتربط بين (بغداد)، وبقية نقاط التقاء المسافرين إلى العالم. فانا من قرأ عنه فيما بعد، وأنا الوحيد من بين أبناء جيلي كنت عارفاً بمصيره، لأني عثرت عليه، مصادفة، بشحمه ولحمه بين الكتب، وعرفت عنه أشياء أخرى بعد ما قرأت (العم محفوظ)، الذي كان يتخذ مما يشاهد، وما سطرته الأيام والحوادث في سجل المحيط المصري مادة لأقاصيصه. ففي بذلة الأسير- من كتاب (همس الجنون)، ذلك هو نفسه بائع السجائر الذي خلقه (نجيب محفوظ)، العظيم الذي لن يلحق بركبه احد من أهل هذه الأرض، (العم محفوظ) الذي وجدته يغمرني بعطفه كلما أمسكت كتابا من كتبه، وإنا اعني كلما شاهدت أمامي بلحمه ودمه شخصاً يتجول بين دفتي الكتب التي كنت اقرأها، أكون في غاية الإجحاف عندما لا اعترف بخلق الخالق المبتكر الصانع الأمهر الذي وضعتني براعته على المحك بان أكون او لا أكون كاتباً، فكنت ذلك الكاتب الذي تقرءون له اليوم، والذي حدث باني حاولت بكل ما عندي من طاقة، وعناد، ووقت، يومها لم أكن اعرف اسمه، أصلا، ولكني بعد، وبعد (همس الجنون)، صرت اعرفه (بائع السجائر) باسمه وتاريخه، وكل شيء عنه.

فهذا لا يمكنه أن يتكرر أو يحدث مع أي منكم، وان كان بيته على مقربة من تلك المحطة المجلجلة في الذاكرة، كنت يومها في الثالثة عشرة، أو ما يقارب، عندما اختفى السيد (جحشه)، من طريق مروري اليومي كلما أعود من بيت خالتي وزوجها (محسن المحولجي[1])، فأراه في كل مرة لا يتوقف عن قضم الخبز، يمتضخ، وينادي على بضاعته المحمولة بعلبة خشبية معلقة الى رقبته، ويلبس (دشداشة/ جلباب) بلون قاتم ولا يفارقه الذباب، حاف القدمين، نتن الرائحة، يلحن بصوت مخيف على بضاعته، ويتطاير زبد ابيض على شدقية، ولا يسلم من رذاذه العطن أي زبون، وبرغم ذلك كان يعده اغلب عمال وموظفي المحطة انه من الناس المبروكين، فمن أعطاه خبزا، فحتما سيصيبه رزقا كبيرا من حيث لا يحتسب. وفي يوم عاصف ممطر اختفى بائع السجائر من على ناصية المحطة، وكان غيابه حدثاً غير مسبوق، لأنه كان يعيش بحضور لافت على رصيف المحطة، يثير الشفقة، والعطف. ففي غيابه راحت قصص الناس تترى من ظنهم، حيث من قال بأنه (ملك) صالح أخذه الرب ليصلح به مدينة أخرى، من بعد أن هداه لهذه المدينة. وقال آخر بأنه هرب وقال من قال بان أهله أخذوه ليعيش بينهم، وكنت أنا اسمع من الجميع أثناء مروري غير مهتم بأمره أن غاب او حضر، بل كنت أتحاشى رذاذ فيه المتطاير على وجوه من يتحدث إليهم، اذ كنت أعود في اغلب الأحيان إلى البيت لاغتسل أكثر من مرة، وهكذا بقيت القصة غارقة في تشاريح الذاكرة، مستقرة بين طبقاتها، متليفة بين طيات العمق السحيق منها. والأدهى بان معظم الناس المتعايشين معه في ذلك المكان قد حزنوا كثيرا على فراقه وعبروا عن حزنهم يوم ذاك بالكلام عنه في كل مكان وبدا يوما كابيا كثير العتمة، والناس بقيت تسمي ذلك اليوم بيوم اختفاء ذلك الرجل..

وصارت الناس تبحث عنه في كل مكان، من (جملونات) مخازن التمر المهجورة، و حوض الماء، و حتى مقهى (الكانتين) بفارسها البيزنطي إبراهيم (زعيله). ولم يعثر إي منهم على اثر أو جواب. باستثنائي فقد أخبرتكم سرّ الرجل الذي قرأت عنه، تلك القصة البديعة، المكتوبة قبل ولادتي بعشرات الأعوام. وبمثل ما قال (جورج لوكاتش) الناقد المجري المعروف: -(الشخصية الأدبية لا تصبح مهمة ونموذجية إلا حين يتسنى للفنان الكشف عن الارتباطات العديدة بين الملامح الفردية والمسائل الموضوعية العامة، وإلا حين يعيش الشخص الأدبي أمام أعيننا نفسها اشدّ قضايا العصر تجريداً، وكأنها قضايا الفرد الخاصة، وكأنها مسألة حياة أو موت). وبعد أن فرغت من خبري. اسمحوا لي بان اسرد لكم واقعة (1977)م، حدث أن طلب منا ذات يوم بمرحلة الرابع إعدادي (عام) أستاذ[2] اللغة العربية في درس الإنشاء أن نختار احد موضوعين الأول أن تشرح بيتا شعريا للمتنبي (لم اعد أنساه كما كنت ادعي، خير جليس.. الخ)، والثاني اكتب قصة قرأتها أو سمعتها، وكانت حيرتي بين الاثنين المغريين، جد كبيرة وعريضة، وشائكة، وأيضا شائقة، فاخترت الخيار الثالث هو أن اكتب القصة التي طالما رغبت تأليفها، وبدأت التأليف، واكتشفت لذة تسليم القلم إلى المخيلة، واستطعت فعلا انجازها بما تبقي من الوقت الضيق في غرفة الدرس وأن اكتبها بمثل ما ضربتني قصة (جحشه) العظيمة، وأقول عظيمة بما لها عندي وعلي من تأثير، لأنها جعلتني أطارد الكتابة بخيالي أين ما تكون، في الكتب، أو في أحلام اليقظة أو التأملات المستقبلية.. حيث يعبر الروائيون، حين يبدعون الروايات، عن عدم رضاهم بإظهارهم أن العالم صُنع بطريقة سيئة، وأن حياة المتخيل أغنى من الرتابة اليومية.

إن تعمقت البديهية داخل الحساسية والوعي، فتكون أكثر قدرة على المجابهة، على عدم قبول أكاذيب أولئك الذين يرغبون في إقناعنا بأنهم يعيشون من اجلنا وهم يعيشون بشكل أفضل منا وبطمأنينة أكبر منا، بينما نحن بين القضبان، وتحت رقابتهم. باتت القراءة تحول الحلم إلى حياة، والحياة إلى حلم، كما روت لي (جدتي) أن أولى الأشياء التي كتبتها أو التي تخيلت بأنني كنت أحاول التمكن من كتابتها على ورق الكرتون الأنيق وارسمه بقلم (الماجيك)، مقلدا بعض ما وقعت عليه يداي من مجلات (سوبرمان)، (الوطواط)، (المغامر) (ران تان تان) المثيرة. كانت متواليات للقصص التي قرأتها، او التي حلمت بها، قد فرضت علي وقعها، وكأنني عشت بطلا من أبطالها، لأنني كنت أشعر بالحزن على نهاياتها أو لأنني رغبت، يومها، في تصحيح نهاياتها.. بينما كنت أنضج. فالقصص التي ملأت طفولتي بالحماسة والمغامرات، هي الآن تحضر، وتكتب بذهنية ما حصل عندي من رؤية، وكما حدثت لي من أحداث، فانا بطل جميع تلك القصص التي كتبتها، ولن أتنكر منها أبدا، لأني عشتها مضاعفة، أقول مضاعفة لان القلم قد دوّن بضعف لأنه قلم مهما كان من مقدرة على الإيصال فانه غير قادر على موازنة كوابيس الحياة الحقيقية المرعبة التي يعيشها العراقي حيث اليوم يمرّ عليه أفضل من الغد، وهلم جرا.. فالقلم علمني أن أقرا جيدا، وعلمني أن اركض خلف الأشياء المتحركة لتثبتها كما الكاميرا الرقمية، ورحت أقرا، واقرأ- لأشحن كاميراتي الذهنية بالمعلومات حيث علمني (فلوبير) أن الموهبة نظام متدفق يدفع للقراءة تلو القراءة، بالصبر الطويل.

كما علمني (فوكنر) بأن الشكل، الكتابة والبنية؛ هو الذي يحيل الموضوع كبيرا أو فقيرا. بينما (سيرفانتس) و(ديكنز) و(بلزاك) و(هيجو)، و(تولستوي) و(كونراد) و(توماس مان) علموني بأن الاعتداد بالنفس والطموح هما أيضا مهمان في رواية الرواية بقدر المهارة الأسلوبية والإستراتيجية الحكائية. كما علمني (سارتر) بأن الكلمات هي أفعال لها بصمة على الواقع المعاش لأجل التغير، وعلى الرواية أن تكون كالبحث (الأكاديمي) تحفر ابستومولوجيا وتلتزم الراهن كخيار حسن، إذ يمكن لها أن تغير مجرى التاريخ. وأيضا علمني (كامو) و(أورويل)، (كازنتزاكي)، (ماركيز)، (عبد الرحمن منيف)، (ادوراد الخراط)، (محي الدين زنكنة) بأن أدبا عديم المثل هو أدب غير إنساني، بينما وجدت عند (مالرو)، (بورخس)، (يوسا)، بأن ثمة مكانا للبطولة والشعر الملحمي في اللحظة الراهنة كما كان عليه الأمر في عصر الإلياذة والأوديسة.

على الرغم من (دستوفسكي) فقد ألهمني بان كل من حولي يصلحوا لان يكونوا أبطالا يضرب بها المثل. كذلك (الاخوين رحباني) بصوت فيروز جعلاني عال الحساسية، ومتذوقا جيدا، لكل موسيقى..  أما (جورج لوكاتش)، كان يرى على الأديب بان يختزل في شخصياته ومواقفه أبعاد عصره ومشكلاته الكبرى، وان يجمع في نماذجه المصورة بين اللحظة الفردية والاجتماعية معاً. وجدتني اتوقف طويلا عند محطة (غاستون باشلار)، لاتملى جماليات الصورة والمكان، لانني عهدته خير دليل في مدينة الكتب الطيبة، كونه اكد لي بان الصورة، او الشكل في مقابل المادة او المضمون.. فمضيتُ قدماً أعيد قراءة (ادونيس) شعرا وبحثاً.. فوقعت في بنية العقل العربي بين ثابته ومتحوله.

 ولم اعلق إلا في مجهود مشروع (الجابري) حيث قرأت العقل العربي بأثافيه- أربعها[3]- فأرشدني إلى متن المتون، وأيضا أثافي رد فعل العقل العربي المقارن بالغربي، المتنامي بتطوره لـ(جورج طرابيشي[4]) بلواحقه الفريدة العريضة، عرفت منه الكيفية الموضوعية المسقطة علينا من بحر الظلمات الباهر، اما (طه حسين) المعلم الأول الذي علمني كيفية الاصرّار على وضع النقاط فوق حروفها، وصرت ابحث في المتخيل (الرواية) عن الذي لم نعبر عنه، بدون الحاجة إلى قول ذلك ومن دون أن نعرفه، نبحث في أغواره عن الحياة مثلما هي عليه وهي لا تكفي لكي تردم عطشنا المطلق الذي يشكل أساس مساحتنا الإنسانية، وعليها أن تكون أفضل.

نبتكر (الروايات) كي نستطيع التعايش، بطريقة ما، مع الحيوات المتعددة التي نرغب في الحصول عليها حين لا نملك بالكاد سوى حياة واحدة. فكل من (هاملت) و(دون كيشوت) و(اخيل) و(شيلوك) و(عطيل) و(الجبلاوي) و(زوربا) و(رجب إسماعيل)، هم رفقتي الافتراضية، اراهم بمحبة يطلون عليّ من ارفف مكتبتي، ويلوحون لي بايدهم يومياً، مساندين لي بكل ضرّاء قبل سراء.. كوني تعلمت منهم بأنه يجب ندافع عن الديمقراطية الليبرالية بالرغم من جميع (مساوئها)، ما دامت تعنى بالتعددية السياسية، والتعايش، والتسامح، وحقوق الإنسان، واحترام النقد، والانتخابات الحرة، وتناوب السلطة، (أي تعني كل الذي أخرجنا من الحياة المتوحشة وقرّبنا- على الرغم من أننا لم نصل إليها في الواقع- من الحياة الحلوة والمتكاملة التي صنعها الأدب- كما يقول صديقي العظيم (ماريو بارغاس يوسا) الفائز بجائزة نوبل للآداب لهذا العام)، أي تلك الحياة التي لا يمكن أن نستحقها، إلا بابتكارها، إلا بكتابتها، وإلا بقراءتها. 

 

  ‏20‏ كانون الثاني‏ 2011

 

 

[1]  والد الفنان (عباس الاموي) قتيل الازمة الطائفية البغيضة..

[2]  اسمه الاستاذ صفاء ولا اتذكر اسم ابيه..

[3] بنية العقل العربي باجزائه الاربع - عن مركز الدراسات العربية

[4]  وحدة العقل، نظرية العقل، اشكالية العقل، العقل المستقيل- عن دار الساقي


   

محمد الأحمد


التعليقات

الاسم: عامر هادي
التاريخ: 2011-02-12 04:12:03
الأستاذ الفاضل محمد الاحمد يشرح لنا بأسلوب قصصي جميل سر الابداع والجمال في القصة او الرواية الحديثة وقد أجاد في ايصال مايريده الى الجميع وبالذات النخبة الادبية === تحياتي لك سيدي القاص محمد الاحمد

الاسم: عامر هادي
التاريخ: 2011-02-12 04:11:08
الأستاذ الفاضل محمد الاحمد يشرح لنا بأسلوب قصصي جميل سر الابداع والجمال في القصة او الرواية الحديثة وقد أجاد في ايصال مايريده الى الجميع وبالذات النخبة الادبية === تحياتي لك سيدي القاص محمد الاحمد

الاسم: حسين علي
التاريخ: 2011-02-11 15:50:34
الاستاذ الاحمد يناور ما بين النص القصصي والنص الفكري نجده القارئ العارف المقتدر.. ولكنه نسي بان صنع نصا مقنعا ... جميل ورائع ما نقراه عبر موقع النور الاغر.. جميل ورائع بهذه الفتوحات النصية




5000