هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


قصة قصيرة / فرنُ الخواجة

محمد الأحمد

قد ابتعدُ سطرا واحدا عن (فرن الخواجة) وبضع كلمات، فأكتب في الصباح عن الصباح المشرق الجميل وهو يمشط شعره السبل الأسود كصبية عذبة الصوت، لان العصفور على الشجرة يطلّ على شباك الحمام، والموارب على الممرّ غير الوحيد لمدرسة الأطفال في حارة (حيفا) الموازية لدخلة حارة (صفد) وسوقه المختص بقضايا المرأة وملابسها العربية، فاطلّ كل صباح على غابة زنبق وياسمين رائعة.. كيف أضيّع هدفي وأباشر الغناء وحيدا.. كيف اهدل، ولا أنسى كم يبلغ بي النسيان ويحطني من جبل، إلى الأرض ليصدمني. لكني بالرغم من كل شيء انهض هاشّا، باشّا محوقلاً، ومبسملاً، ومسبحاً، ومثرثراً مع نفسي بلعنة الأيام، والدولة، والزمان، والتاريخ، والجغرافية، والوطنية.. حتى أصل درس الحياتية، فأقف لأعش حياتي، مع زوجي.. متنفسا الصعداء من أزمات مررنا بها، وخسارات في المال والعيال حامدين، وشاكرين على كل مكروه.. أيام أن أقف أمام الأشياء كلها ولا اعرفها، أو هي في الحق أكثر حميمة من السابق، فكل يوم اشتري من فرن الخواجة بخمس ليرات ثلاث أرغفة.. لأجدها أطيب ما في الكون من خبز، فالرجل عامل الفرن صار يعرفني، بضع خطوات ويختارني من بين الصف الطويل والانتظار شبه الممل ليصيح على:

- (أنت يا عراقي.. تعال.. هات خمستك وخذ خبزاتك)..

أجيبه ككل مرة (يسلموا مُعلم)..

فهو الوحيد الذي لا يضيف ليرة واحدة فوق ما يبيع كبقية إقرانه السوريين على العراقيين. كمثل قرينه بائع الجرائد. اخذ ككل يوم (جريدة تشرين) الغراء، ومن ثم اخذ الخبز اقضم منه وامضي للشقة المؤجرة الذي يعادل ثمن أجارها في الشهر الواحد حوالي ربع كلفة بناءها، اذهب سعيدا أعبّ الهواء، وإنا أتطلع بلا خوف لوجهات المحلات، وأتمنى بان أبقى أطول فترة في هذا المكان الشامي الجميل، أمدّ بفرسي التي تميدُ من تحت قدمي الأرض، وقد وصلت بي في الصباح وكان المدينة نائمة، نصف ساعة قبل الدوام تجد الشوارع لا تكف عن احتكاكها بالناس، وبعد الثامنة بخمس دقائق، تعود المدينة إلى صمتها، ولا تدري فيمن كانت تحتك، ولا تدري أين ذهب الناس من كل شوارعها..

المدينةٌ تريد المزيد من الليرات، وعليك أنت نسيان ليراتك التي تبتلعتها منك بيسر، الدنانير تتحول الى الدخان في الجيوب، (المصاري) أغلى ما الوجود، فلا احد يقدر عن انتزاعها من يديك سوى السوري الذي لا يستطع أخذها من السوري، فيا عيني عليك أن بانت لثغة العراقية؛ أن تدفع، وان تسكت.. وما عليك سوى أن تحرص من مواطنيك، ففيهم من يبيعك كحمل وديع مليء جيبه بالدولارات، الاغلب الأعم منهم يتخيل بان أمتعتك محشوة - إلوفاً- من فئة المائة دولار، وأنت حزين كسير لا تعرف كيف يطنّ الذباب حولك ويدعي انه طيب القلب، فيسدي لك نصحاً. وهو سمسار ليل مستغل، ومستقتل من اجل ليرة زوئام..

اذهب إلى عمق الكلام وسيره الذي يملاني موسيقى وغرام، العمق المتين.. باحثا عن كلام آخر، وعن معاني جديدة، فاشتري ما استطيع إليه سبيلا، أذا ما أكلت وشربت فاني ما وصلت الشام أبدا، أكلها الغرّ يتوهني، فكل مرة أعبّ إلى بطني سندويجا طيّبا، وأي كان محتواه، فلن يكون متحديا لمظاهر الغباوة الكيلوسترولية. أسير مغنيا حيث أنا الخمسيني قاب قوسين من الهدم، احمل (موبايلي) كصبي في جيبي، ومنه إلى إذني وصلة سماعتين تغرقاني بالموسيقى المعشوقة، وكأني لا أجول في الشوارع المطمئنة؛ بل بالأودية وإعشابها، وجسدي مضمّخاً برائحة شامبو الغابات الاستوائية متناسيا الخمسين نجمة وهي تهمي من السماء كل يوم ألف مرة، فالموسيقى تطيرني فوق الغيوم، وأنا أعبّ النفس تلو الآخر غير مصدق باني حرّ. أعود كل لحظة للتأمل أرشرش (السلام عليكم).. كلما وجدت من يجلس إلى صاحبه، ويحكي له عن أمره، ظنا مني انه يتكلم في أمري..

ككل صباح أتناول الخبز الشامي الآلي الطيب، تارة مع اللبن، أو مع نوع من أنواع الجبن التي شاء لها الله من سلطان، وأنا اشكر لله بكرة وأصيلا.. وأفكر بكيفية ما سأحكيه لزوجتي. فكأني أقول لها، حدثني صاحبي زبون الفرن عن أشياء يحبها فينا نحن الإخوة، وكأنه يحدثني عن رجال القمر الذي اغتصبته عاصفة ترابية وطمسته بصفارها المميت، ولكن بقيّ مشعّاً بأمل من كان يتحدى.. فذات صباح رأيت امرأة نزلت من التاكسي وأشارت صائحة بان الرجل الذي كان يقف خلفي بأنه؛ قبل عام قد اقتحم بيتها مع زمرة مسلحة تلبس لباس الشرطة.. اخذوا منها زوجها وتركوه جثة مرمية على كومة القمامة.. كيف تنساه؟

قد كان مختبئاً خلف ظهري، وبالرغم من صدمتي، ورعبي، وجزعي، وخنوعي إلا أني أمسكت به كما امسك به غيري. فصرخة المرأة تنجيها، وتجعلها سلطانة زمانها، وقالت جازمة ومتأكدة:

- لو كشفتم عن ساعده الأيمن لوجدتموه موشوماً بصورة عقرب.. فلن أنساه ما حييّت..

تبين (هو) فنقل إلى المخفر المسؤول عن حي اليرموك، ومن بعد أن تلقى لكمات وركلات أكثر من البصاق الذي نزل عليه، وبقيت تحدث الناس عما فعله معها بحرقة بكاء مذيب لأقسى الأحجار..

حيث تعاطفت كل رجال الحارة، معها، ووجدوه مذنبا، فاقتيد مخفوراً من مخفر إلى مخفر ثم طرد على الحدود.. هناك في (بغداد) زوجها قد مات.. أخذته موجة الموت العاصفة العاتية.. هذه المرأة كادت أن تقتلني بإصبعها إلا إنها كانت تعرف من أصابها بمقتل وهدمّ لها بيتها، ففي كوابيسي كأني كنت إنا المقصود، وكيف سأثبت للناس والعالمين باني لست قاتل زوجها، وباني لم احمل يوما سكينا حتى لأدافع عن نفسي... كنت أراه يتقنع بلسان غير لسانه، وهو المحترف فكيف غطي نفسه، وبقيت أنا وحيدا ابتلع نفسي في الحلم من الخوف والقلق، وبقيت مسمّماً كأني أكلت مالا يؤكل، وبكل ما أوتيت من قوة، رحت احاول تفريغ مصاريني.. أوشكت أن اطرد أمعائي كلها.. فأية صرخة أظنها تقصدني والتفت مذعورا. لا استعيد لنفسي هدوئها الا بعد حين لاني صرت استجيبها من كل الناس، فأخاف من خوفي الذي جعلني ضئيلا إلى حدّ لا اصدق بان الكلمة مهما حوت من مجاز، لن تصوره... حيث امسكه، أوقفه، أبوح به.. عبر كلمات سأكتبها وأنا احلق وحيدا تاركا كل الأزمنة الخائبة تتفسخ براسي، وأن احتفي كلما مرت قربي ياسمينة شامية تفوح بعطرها فيجعلني أسير هوى طائش عابق برائحة المسك والعنبر ولا أجد ما يستحق الوقوف..

أسير وأسير في شوارع الشام مرفوع الرأس، متشهياً أن تعود إلي أيامي التي قدمت ضائعة، تائهه، متواصلة بالفشل الإقليمي، وتلت الفشل الذريع، وهو يتوالى منحدرا خلف كل خطوة أتابع بها النسائم وهنّ يتابعنّ مبتهجات، لا يدرينّ بان مؤخراتهن تضفي على خوفي البؤس، فيا لها من مشقة متابعة المؤخرات الفاتنات.. حيث يملئن البناطيل المزدحمة بارتجاج أشهى لحم عصيّ على التأثير في الذكورة.. فكنت كمن يركب نسمة ويحلق ورائها متأملا جمالها وهي تضحك لي من الخلف، ظنّا منها باني الوحيد من يتحدى الملل بقراءة هكذا جسد مغناج..

أكاد اهتبل من هكذا لكزّ صقيل، جذاب، مضيّع. ولأجل أن امشي حرّا فعلي أن لا افقد بوصلتي، ويكون فرن الخواجة نقطة عودتي حيث أجده مغلقا عند المساء قد امتثل كنقطة في آخر السطر من الدخلة المقابلة لسوق (لوبيا)، فاذهب حيث استأجرت، وحيث امتثل راكنا أمام التلفاز، كصبي مطيع، ومتحمل لآلام رقبتي ولأجعل نفسي تتابع ما تتابعه زوجتي الحبيبة عبر الفضائيات البائخة، حيث هي تقبض بإصبعها على (كنتروله)، كما تقبض علينا الأقنية الصادمة، فاجلب الأخبار لبيتها، وهي تقول لي من بعد ملل:

- (خذه واقلبه على القناة التي تريدها).

فاذهب بعيدا في المجال التتابعي حيث أريد كتابة ما أريده، ولكني لا استطع.. اللهجات تكاد تمرّ بأزمة حادة، فتخسر خصوصيتها، أرى إنها توحدت وصارت عبر قالب بنائي واحد، وليت عمود الفصيح هو ما يشدّ أزرها، لكن الدراما التلفازية، تفرض نفسها على الذهن.. فكيف نفلت؟.. كيف نسرد الكلمات لنظهرها  أكثر حلاوة وتميزاً، وطازجة.. كيف نجعلها مرشرشة بعطر الوجوه المنيرة التي تطلقها، وكم تحيا الأغنيات لوحدها حين يحفظها الأطفال لتكون هي معيارا للنجاح، ولكن (الأباعر) لا يفهمون، فاللهجة سلاح تريد لك الخلاص من الكشف بأنك غريب، وخاصة لأنك غريب في مخيم (اليرموك) الفلسطيني فعليك أن تدفع زيادة في الليرات لحدّ الضعف، فسائق التاكسي (الشوفير)، دائما يتفق معك على عداد ونصف إن لم يكن على (عدادين) أو أكثر، كذلك بائعة الجبن واللبن.. فليس لي الحق بان اصمت فـ(اليرموك ليست معركة التاريخ مع المطر) هكذا أقول لنفسي وإنا أتخطاها، امشي عبرها طولا وعرضا. فـ(اليرموك) حيّ كبير فيه الكثير من الأبنية العمودية، يحده من الغرب بلدة (الحجر الأسود) بحدود شارع ثلاثين، وشارع (فلسطين) من الشرق وهناك بلدة (يلدا)، وبلدة (ببيلا)، وبلدة (الحجيرة)، حي (السيدة)، وحي (جرمانا) أحياء يقطنها الغالبية الأعم من أهل فلسطين مواطني (غسان كنفاني)، (محمود درويش)، وبقية أسماء النضال  اللامعة.. كما هناك في الارض المحتلة، بين قوسين وأكثر، فاي حزن اقليمي اصفر لا يفارق وطني، منذ الازل. أقول لنفسي بأن الدرويش الأخير اثنين وليس واحدا، الأول مناضلا ومقاوما والثاني الأروع ولأشمل من بعد أن انتبه بان القضية ليست قضية وطن واحد بل هي قضية أوطان، ومشاكل الوجود مع الموجود هو إن الإنسان الخبيث الذي يفرض رأيه مغطيا قضية الوطن بورق السليفون، (شكولاتة القضية المركزية المحورية). صرنا نشمّ رائحة القدس من (الغتر) ونحنّ إليها، ونخاف على عروسها الذهبية التي بذل الساسة الغالي والنفيس من اجل الظفر..

صرت أمشي في دخلتها الرائعة منتش، ومحدثا نفسي عن نفسي:

- بصبحك الجميل تسامرك عينيك المتجولة إلى ابعد نقطة تسمح بها الرؤية. فلا تسأل، فمن الصعب أن تجد من يدلك على طريق، يهابونك كغريب..

 تمشي لوحدك تقطع الشارع إلى الضفة الأخرى لتصافح النرجس المبلل بالشفاه الحلوة لصبايا يرشن انوثتهن البديعة على خيوط الصباح ليعطينه جمالا لن يبلغه وحيداً.. يمتزن بجرأة عيون متفحصة طولا وعرضا.. تمشي من النجمة إلى النجمة، ومن وادي متعرج على بنطلون جينز حادّ القسمات والتفاصيل (يالله شو كبير).. بين كل (سوري) و(فلسطيني) في دمشق (عراقي او اكثر)، وكان البلد صار مقام البلد، وتشظت قضية المحور إلى توبة عربية بارقة، وصار الخضرجية والخبازون يمتهنون بيع الماء في حي النهرين.. اسوار الجامع الاموي العالية تعطي للحمام الزاجل امانه، والعين تعطي للاطفال الراكضين خلفه رسائلهم البريئة، وما أزاح من البارود العتيق، والحقد الأسود الذي هربهم طائفياً من زاجلهم الذي لم يكن مدجنا ذات يوم كما هو امامهم، فكأن مواطنيّ لا يعرفو سوى الأماكن التي يكثر فيها مواطنيهم، يلتفون حول بعضهم البعض ويحطون كالحمام قرب بعضهم البعض.. فساحة (صلاح الدين الايوبي) تسأله ان لا يخاف الوعد والأسى.. قلت لنفسي كم قضيت متمسخرا تدخن النارجيلة... تعرف ابن جلدتك وتبعيته وغلته.. فالاغلب الاعمّ باع بيته وخسر ما خسر وانفلت مع ذويه بحاثا؛ بالكاد عن استقرار نسبي، فـ(يا سلام سلم).. هكذا كنت اقول حتى لعامل الفرن الذي لم اسأله أين درس الفلسفة التي اعشقها.. وهو يخبرني بان أبيه وصل مخيم اليرموك منذ أربعين عاما، وبعاش موطنا من الدرجة الثانية ويحق لهم مالا يحق لغيرهم من العرب بامتلاك أي عقار، كما يخدمون في العسكرية أيضا كمواطن ومكتوبا في الهوية سوري/ فلسطيني، ويقول ساخرا :- (محمود درويش)، لا يعرفه اغلب شباب الأرض المحتلة.. كما يقول أيضا بأنه يعمل مع (معمارجي) في العطل بعد دوامه في الفرن، وان المصاري التي يقبضها من المستأجرين العراقيين تذهب إلى حساب أمه في البنك، لأجل امتلاك بناية ثالثة، ولا يدري ما الذي سيفعله، فلقد تعودوا على التقتير، والشحّ فأنهم كبقية الناس يأكلون وجبتين في اليوم الواحد، وككل إخوته يعمل في مكانين في اليوم الواحد.. ويملكون نصف الحارة عندما يستغرق في سرد التفصيلات الأخرى.. وواصل يخبرني ضاحكا بان أخيه في التغريبية الفلسطينية صاحب الفرن، ذاته، ذات مرة أعجبه (سباط) من الدرجة الأولى، وقد تمكن منه من بعد عمل مضني زاد على الشهرين، واشتراه وجربه يوم جمعة في (جامع البشير) يبعد حوالي عشرين متر عن فرن الخواجة، وبعد الخطبة المعطرة لم يجد (سباطه)، وعدل عن الذهاب إلى هكذا مشاوير حتى موته.. لقد مات ندما بسبب ما سرق منه.. بقينا مبتسمين وبقي الهواء العليل يمرّ من شباكنا الاسفل، ليبدل ما أفسده الضحك من اوكسجين.. عائدين للسطر الاول المبلل بالندى..

‏04‏ كانون الثاني‏، 11

 

محمد الأحمد


التعليقات

الاسم: حسين علي
التاريخ: 2011-02-11 15:10:31
وجدت في هذا النص البديع نفسي ايام كنت اتجول في الشام، وعهدت النص صادقا كانه يتسرب مني وهذا نجاح للكاتب الماهر السارد الدقيق وعاناته..
سلمت مبدعا عراقيا متميزا

الاسم: سوزان سامي جميل
التاريخ: 2011-02-10 01:31:53
الأستاذ القاص محمد الأحمد
لغتك السردية قوية وتعبيراتك منتقاة بحذر ودقة تجبر المتلقي على التعايش معها والغوص في مكنوناتها. سلم يراعك.




5000