..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


( جدلية حوار الحضارات )

محمد هاشم البطاط

إضاءة المشهد الهُلامي حول موضوعة

حوار الحضارات في الفكر الاسلامي المعاصر

  

          ( الحلقة الثانية )

  

(( نهاية التأريخ و صِدام الحضارات ))

•·       فرانسيس فوكو ياما و ( نهاية التأريخ ) :

        يعد فوكو ياما ، الأمريكي من أصل ياباني ، واحداً من أبرز المنظرين الأمريكيين ، و له الكثير من الأفكار و التحليلات التي طرحها خدمةً للايديولوجية المعتقد بها ، (( الليبرالية الرأسمالية )) ، و لعل أشهر ما قدمه هو كتابه ( نهاية التاريخ و الإنسان الأخير ) The End of History and The Last Human ، حيث يؤكد فيه فوكو ياما ، على أن التاريخ قد قارب من الاطلال على نهايته ، و بلوغ غاية ما صبت إليه البشرية ، من تكامل و تطور بولوجه مرحلة الرأسمالية المتطورة ذات المنحى الليبرالي ، و من الخطأ القول بان فوكوياما هو أول من نظر إلى مسألة نهاية التاريخ ، و أدلى بدلوه إليها ، بل أن الكثير من الايديولوجيات _ إن لم تكن جميعها _ نظرت و إستشرفت المستقبل الإنساني ، مدعية انه سيكون لصالحها ، فالديانة اليهودية _ بغض النظر عن مديات التحريف فيها _ ترى بان للتاريخ نهاية ، و هذه النهاية المحتومة ستكون بسيادة اليهود على الكويّم _ البشر غير اليهود _ ، و كذا الحال بالنسبة للمسيحية الذاهبة إلى أن الابن سيعود في نهاية التاريخ ، كونه إرتفع إلى السماء بعد ثلاثة أيام من صلبه ، ليُسوِّد النصرانية على العالم ،و لن يبقى أحد على أعتاب هذه الأرض إلا و دخل في عقيدة يسوع المسيح .

       إن الدين الإسلامي _ بمختلف مذاهبه و مشاربه _ لم يخل من هذه الرؤية التي تستشرف المستقبل ، ففيه أن أتباعه سينشرونه في بقاع الأرض كافة ، و ستتحقق الدولة الإسلامية الإلهية على يد المصلح العالمي ، المهدي الموعود في العقيدة الإسلامية .

        و حتى إذا ما نُظر إلى الموضوع من زاوية الفكر الغربي ، فان فوكوياما أيضاً لا يعد أولاً على هذا الصعيد ، حيث يشير ( آرنولد توينبي ) ، في كتابه ( الحضارة في الميزان ) إلى أنه في القرن التاسع عشر ، كان كثير من الانكليز يعتقدون إن التاريخ وصل إلى نهايته ، و كان يشاطرهم في إعتقادهم هذا معاصروهم الغربيون من أهل الأمم الأخرى ، ففي شمال الولايات المتحدة على سبيل المثال ، كانت الطبقة المتوسطة ، ترى أن التاريخ انتهى حين تملكت الأقاليم الغربية ، و انتصرت الولايات الشمالية على الجنوب في الحرب الأهلية ، و في ألمانيا أو بروسيا على الأقل ، كانت هذه الطبقة نفسها ترى أن التاريخ وصل إلى هذه النهاية الدائمة بقهر فرنسا و تأسيس الرايخ الثاني سنة 1871م .

       لكن توينبي يوضح إن هذا الشعور بـ (( الانتهائية )) الذي أثلج أفئدة الغالبية ، لم يُثلج أفئدة الشعوب المغلوبة قط ، بل كان يجثم على صدورها كالكابوس ، و كان ثمة في العالم أجمع آنذاك ، شعوب و طبقات تشارك الفرنسيين و أهل الجنوب في الولايات المتحدة يتعالى سخطهم على أحداث التاريخ التي مرت ، أما في سنة 1947م ، كما يضيف توينبي ، فقد كانت هاتيك الآراء ، ضرباً من الجنون المحض الذي تهذي به الطبقة المتوسطة الانكليزية و مثيلاتها في الولايات المتحدة و ألمانيا(1) .

       و في الواقع ، فان فكرة ( نهاية التاريخ ) لطالما أغرّت مفكرين و فلاسفة ، و لطالما تم التعرض إليها من قبل ، فهيغل مثلاً كان يرى أن التاريخ يصل إلى مناه أو غايته ، بتحقق الفلسفة بوصفها نظاماً سياسياً ، أو نظرية الدولة التي تُضفي الشرعية على ممارساتها ، و تكتسب الدولة عنده صفة مطلقة ، شبه إلهية ، أما ( كارل ماركس ) ، فكان يعتقد أن التاريخ يصل إلى مبتغاه من خلال الثورة البروليتارية ، التي تقيم مجتمعاً لا طبقياً ، وتوفر فرصة سيطرة الإنسان على الطبيعة ، و بناءاً على إقتصاد الوفرة ، كان هذا يتطلب في رأيه تلاشي الدولة و إضمحلالها ، بوصفها أداة للسيطرة البرجوازية .

       يشير بعض الكُتّاب إلى أن لفوكوياما و نظريته حول التاريخ المنتهي ، و لهنتنغتون و أفكاره بخصوص الحضارات المتصادمة ، أسبابها و تعليلاتها الأيديولوجية ، و الثقافية المختلفة ، و لا شك(2) ، حيث أن كليهما إنطلقا في تحليلاتهما و رؤاهما من الأسس الايديولوجية التي يرتكزان عليها ، و ليس بامكانهما الفصل بين الايديولوجية التي يؤمنان بها ، و بين النتائج التحليلية التي يتوصلان إليها ، و هذا بقد ما يوفر للمبدأ من نقاط قوة مادية ، و دفعة روحية و معنوية ، بقدر ما يعني الابتعاد عن الموضوعية العلمية ، و السعي لشرعنة الممارسات التوسعية للعالم الغربي ، لا سيما الولايات المتحدة الأمريكية ، على العالم المترامي الأطراف ، ففوكوياما ، حينما قدّم نظريته هذه ، لا ريب في انه إعتمد على مجموعة من الأدلة و القرائن ، و لكنها واضحة النقصان لا تُسني للباحث الموضوعي ، الاذعان و الإقرار من كونها مغلوطة و منقوصة ، لا تتسع لتشمل العالم برمته ، و لا تُمكن بأي شكل من الأشكال ، القائلون بها من الاندفاع نحو الأمام بقوة للتبشير بتحقق _ أو بقرب تحقق _ النهاية الختامية للعالم ، عقب ولوجه المرحلة الرأسمالية الليبرالية .

       حينما شعر فوكوياما ، باتساع شفة الثغرات التي طفت على سطح نظريته ، صرَّح بإنعدام وجود عالماً خالياً من التصارع ، و ذلك حينما كتب في صحيفة ( Gardian The  ) البريطانية ، مدافعاً ( نبقى في نهاية التاريخ ، لان هناك نظاماً واحداً سيستمر مهيمناً على السياسات العالمية ، و هو الغرب الديمقراطي الليبرالي ، هذا لا يعني عالماً خالياً من الصراع ، و لا إختفاء الثقافات )(3).

       إن إقرار فوكوياما هذا يدل على انعدام شمولية نظريته و تناقضها مع ما يحمله إسمها من أنها ( نهاية التاريخ ) ، فنهاية التاريخ تنطوي على إيجاد ثقافة عالمية واحدة ستسود الأرض ، و لن يبقى هناك تصارع بين الأمم إبان تلك المرحلة ، أما أن يكون التاريخ منتهياً مع وجود ثقافات متعددة متناقضة ، و بروز التصارع البشري ، بل و وصوله إلى مديات متسعة ، فهذا يحول دون الإقرار لنظرية النهاية التاريخية بالصحة .

      ثم إن فوكوياما يرى حتمية تشكيل حضارة عالمية على النمط الغربي في الحياة ، في اللبس ، و الجنس و الأطعمة السريعة ، من الهامبرغر و البيبسي كولا ، و في النموذج الغربي في مجال الحريات و حقوق الإنسان و الديمقراطية ، و دعا إلى ذوبان الحضارات كلها في الحضارة الغربية ، على إعتبار أن الأخيرة هي الأكمل و الأرفع و الأسمى ، و هكذا ينتهي الصراع بين الحضارات عند فوكوياما بإنتصار مدوي للحضارة الغربية(4) ، و المتضح أن الحضارة الغربية نفسها ، لم تستطع الحؤول دون المشاكل و الخلافات بن ظهرانيها ، فكيف يتسنى للغير الاذعان لهكذا رؤى و تصورات عارية عن الصحة ، لان فاقد الشيء لا يعطيه !

       من جانبه ، فإن هنتنغتون يرى بان الغرب حضارته فريدة ، و لكنها ليست كونية ، بمعنى إنها لا تستطيع محو الثقافات الصينية و الهندية و الإسلامية في المستقبل المنظور ، و السبب في ذلك ، أن حضارة الغرب غير قابلة للعولمة ، بمعنى أن الحضارات الأخرى لن تنصهر في الحضارة الغربية حتى لو أرادت ، لان مقومات الحضارة الغربية غير قابلة للتطبيق على الأمم اللا غربية ، مهما فعلت ، و أن إستحدمت التقنيات الغربية ، و استمعت إلى الموسيقى الغربي ، و أكلت الهامبرغر و شربت البيبسي كولا ، انه من الممكن تحديثها ، و لكن لا يمكن صهرها.

       لذا يرفض هنتنغتون ، ما توصل إليه فوكوياما ، الذي إقترح ذوبان الحضارات كلها في الحضارة الغربية ، على اعتبار أن الأخيرة تعد الأكمل و الأرفع و الأسمى ، و يرى هنتنغتون أن الصراع لا ينتهي أبداً ، بل على العكس ، هو مرشح للمزيد من التصادم ، ذلك أن التحديث يؤدي إلى تقوية الحضارات المنافسة للغرب ، خاصة الحضارة الإسلامية التي أخذت تقوى على حساب الغرب في الآونة الأخيرة(5).

       من هذا نعرف أن هنتنغتون يرفض و بشكل قطعي المدعي الفوكويامي ، سواءاً من ناحية أن التاريخ داخلٌ في مرحلته النهائية ، أم من ناحية دعوة الحضارات الأخرى للإرتماء في أحضان الحضارة الغربية ، فان الانصهار الحضاري للوصول إلى عالم اُحادي الحضارة ، له الكثير من الملازمات ، و الأخيرة لن تتحقق _ كما يرى هنتنغتون _ حتى لو بذلت الحضارات الأخرى جهود معظامة للإنضواء تحت مظلة الحضارة الغربية .

       أما الفكر الإسلامي المعاصر ، فأنه و في مواجهته لنهاية التاريخ ، و فقاً للرؤية الفوكويامية ، أعلن أن هذه النهاية ، نهاية النمط الغربي للحياة ، و نهاية المشروع الغربي ، أكبر قدر ممكن من الإنتاج ،  لأكبر قدر ممكن من الاستهلاك ، لأكبر قسط ممكن من السعادة البشرية بشقيه الشيوعي و الرأسمالي ، تعني نهاية الحداثة في الغرب منذ بدايتها في القرن الرابع عشر و حتى نهايتها في القرن العشرين(6).

       حول الموضوع عينه ، كتب ( روجيه غارودي ) (( أهذه نهاية التاريخ ؟ و غايته المجيدة ؟ أفلا يكشف هذا الانقسام المتزايد للعالم أننا ما نزال برابرة مزودين بمحركات ، نعيش في أدغال ما قبل التاريخ ، حيث لا وجدان يتفكر في الله ؟ في وحدة الكون و معناه ؟ ما من حكمة و لا دين يمكنهما أن يقبلا بهذا الانقسام للعالم ، و بذلك الاستعباد  لثلاثة أخماس سكانه من حقوق العيش إنسانياً ، أهذا هو (( الإنسان الذي صُنع من صورة الله )) كما تقول التوراة ؟ و (( الإنسان الذي نفخ الله فيه من روحه )) كما يقول القرآن الكريم(7) ؟

       فإذا كان التاريخ في نهايته ، كما ذهب فوكوياما ، فإن العالم ما زال ينطوي على كمٍ هائلٍ من الفروقات المتزايدة و التباينات الطبقية و العقائدية ، فهذا يعني أن هذه النهاية ، تعد محطةً مأساويةً ختامية لتاريخ الإنسانية الحافل ، و إذا كان إنضواء حضارة ما تحت شرعة الحضارة الغربية ، و أخذ كل ما فيها من ايجابيات و سلبيات ، فان هذا يعني تقليد أعمى مرفوض من قبل كل ذو بصيرة ، ثم لماذا يشدد فوكوياما على أن الانصهار الحضاري بالنسبة للحضارات الأخرى في الحضارة الغربية يعني إنتقال كل القيّم و الممارسات السائدة في الغرب ؟ فلو سلمنا أن القيم و الممارسات و المنظومات القيّمية الغربية إنتقلت إلى الحضارات الأخرى كالديمقراطية و حقوق الإنسان و الحرية ، فما معنى الدعوة الفوكويامية للتأسي و الاحتذاء بالأنموذج في كافة الحيثيات و السلوكيات حتى في الممارس الجنسية و أكل الهامبرغر و شرب البيبسي كولا ؟

 

•·       صموئيل هنتنغتون و ( صِدام الحضارات ) :

       لم تلقَ نظرية في السياسية الدولية ، أو في العلاقات الحضارية ما بين الأمم و الايديولوجيات العالمية المختلفة ، كالذي لاقته أطروحة المنظر الأمريكي صموئيل هنتنغتون ، و التي تحلل طبائع علاقة كل حضارة إنسانية مع أخواتها من الحضارات ، و تُميط اللثام عما بينهن من دوافع ثقافية نحو التصادم The Clash ، و مما تجدر الإشارة إليه أن فكرة صدام الحضارات لم يك هنتنغتون أول من رفع لوائها ، فتوينبي ، مثلاً ، عقد فصلاً في كتابه ( الحضارة في الميزان ) وضعه تحت عنوان ( الصراع بين الحضارات ) ، ألقى فيه نظرة إلى الوراء ، على التاريخ اليوناني و الروماني ، و لا حظ أن أهم حادث فيه هو إتصاله بالحضارات الأخرى ، لما يترتب عليه من نتائج دينية طويلة الأمد ، و ليس النتائج السياسية و الاقتصادية المباشرة ، لافتاً إلى طول الفترة الزمنية التي إستغرقها الصراع بين الحضارات ، فالصراع بين الحضارات اليونانية و الرومانية ، على سبيل المثال ، و ما عاصرها من الحضارات ، إستغرق الجزء الأكبر من القرون الستة عشر ، المحصورة بين القرن الرابع ق.م ، و القرن الثالث عشر الميلادي .

       إعتبر توينبي أن اصطدام الحضارة الغربية بمعاصريها في القرن العشرين هو أهم حادث في هذا العصر ، لأنه (( الخطوة الأولى نحو توحيد العالم في مجتمع واحد )) منبهاً إلى إن الغرب لا يزال في الفصل الأول فقط من قصة صراعه مع حضارات المكسيك ، بيرو ، المسيحية الأرثوذكسية ، الإسلام ، الهندوسية ، الشرق الأقصى(8).

       في إطروحته حول الحضارات المتصادمة ، ينطلق هنتنغتون من أن الحضارات تتصادم بشكل طبيعي نتيجة لأسباب غير إقتصادية ، فهي ثقافية بطبيعتها ، و ذلك لاختلاف الايديولوجيات و الأنماط الثقافية لكل حضارة ، و أن الصدام الحاصل بين الحضارات يختلف شدة و ضعفاً ، تبعاً لجملة من الظروف و العوامل .

      في مقال كتبه يقول (( إن النزاع الأصلي في العالم ، لن يكون في صورة أولية آيديولوجياً ، أو إقتصادياً ، بل سيكون ثقافياً ، على مستوى الانقسامات العظيمة للإنسانية ، و ستبقى الدول القومية ، هي الأكثر قوة في الشؤون العالمية ، لكن النزاعات السياسية الدولية ، ستحصل بين الأمم و المجموعات من حضارات مختلفة ، و أن صدام الحضارات سيكوّن خطوط المعركة في المستقبل ، و يشير هنتنغتون إلى أن هناك ثمان حضارات هي : الغرب _ الكونفشيوسية _ اليابانية _ الإسلام _ الهندية _ الأرثوذكسية السلافية _ الأمريكية اللاتينية ، و من المحتمل الحضارات الإفريقية ، و يحدد هنتنغتون في أن مصادر النزاع تعود إلى اختلاف التاريخ و اللغة و الثقافة و التقاليد ، و الأكثر أهمية هو الدين ، كما تعود إلى أن العالم بات مكاناً صغيراً ، و ازداد التداخل بين الشعوب من الحضارات المختلفة ، كذلك تعود إلى عمليات التحديث الاقتصادي و التغير الاجتماعي في عالم ينفصل فيه الناس عن هوياتهم الخاصة ، العميقة الجذور ، و إلى نمو الوعي الحضاري الذي يتعزز بالدور المزدوج للغرب(9).

      و من مصادر النزاع أيضاً ، يذهب هنتنغتون إلى أن الخصائص الثقافية و الاختلافات هي الأقل قابلية للتحول ، و أخيراً أن المناطقية الاقتصادية تتزايد ، و من الأمثلة التي يعرضها ، (( أن الثقافة و الدين هما أيضاً من الأسس التي جمعت معاً عشر دول إسلامية غير عربية : إيران _ باكستان _ تركيا _ أذربيجان _ كازاخستان _ قرغيزستان _ تركمانستان _طاجيكستان _ أوزبكستان _ أفغانستان )).

      و يرى هنتنغتون أن هناك إنقساماً ظهر بعد نهاية الحرب الباردة ((  بين الكاثوليكية و الأرثوذكسية ، و خطر هذا الانقسام يمتد الآن بين فنلندا و روسيا و دول البلطيق قاطعاً ، و بيلا روسيا و أوكرانيا فاصلاً ، أكثر فأكثر ، ما بين أوكرانيا الغربية الكاثوليكية و أوكرانيا الشرقية الأرثوذكسية ، و يتجه غرباً ليفصل ترانسلفانيا عن بقية رومانيا ، و يخترق يوغوسلافيا ، و بالتحديد على امتداد الامبراطوريتين العثمانية و الهابسبورغية ))(10).

      و يتحدث هنتنغتون ملياً عن النزاع ما بين الحضارتين الإسلامية و الغربية ، و الذي بدأ قبل 1300 عام ، و يشرح (( مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية ، و انبعاث القومية العربية و الأصولية الإسلامية ، و تزايد إعتماد الغرب على نفط دول الخليج الفارسي ، و اندلاع حروب عديدة بين العرب و إسرائيل ))(11).

       و يعتقد أن حضارته فريدة ، و لكنها ليست كونية ، بمعنى أنها لا تستطيع محو الثقافات الصينية و الهندية و الإسلامية في المستقبل المنظور ، و السبب في ذلك أن حضارة الغرب غير قابلة للعولمة ، بمعنى أن الحضارات الأخرى لن تنصهر في الحضارة الغربية حتى لو أرادت ، لان مقومات الحضارة الغربية غير قابلة للتطبيق على الأمم اللاغربية ، مهما فعلت ، و أن استخدمت التقنيات الغربية ، و استمعت إلى الموسيقى الغربية و أكلت الهامبرغر و شربت البيبسي كولا ، انه من الممكن تحديثها و لكن لا يمكن صهرها(12)!!

       إن الحضارات المتصادمة جراء الاختلافات في المنظومات الثقافية و الدينية ، في حال إذا ما أُريد تجنيبها الحروب ، فإن هنتنغتون يعتقد أن تجنب الحروب الرئيسية بين الحضارات في المرحلة المقبلة ، يتطلب امتناع الدول الرئيسية عن التدخل في نزاعات الحضارات الأخرى ، هذه حقيقة تجدها بعض الدول ، على حد تعبيره ، صعبة القبول ، فقاعدة عدم التدخل هذه ، التي تحضر تدخل الدول الرئيسية في نزاعات الحضارات الأخرى ، هي المطلب الأول للسلام ، في عالم متعدد الحضارة و القطب ، و المطلب الثاني ، هو قاعدة التوسط المشترك ، كي تفاوض الدول الرئيسة في ما بينها لوقف حروب خط الصدع بين الدول و المجموعات التي من حضارتها(13) .

       و عموماً ، فان هنتنغتون لم يألوا جهداً في الإشارة إلى العداء المرتقب بين الغرب و الإسلام ، ففي أغلب كتاباته و لقاءاته ، أشار إلى هذه الحالة العدائية من قريب أو بعيد ، ففي حديثه لمجلة ( لوبوان ) الفرنسية ، قال (( إن الغرب لن يستطيع السيطرة على العالم ، كما حدث عقب الحرب العالمية الأولى ، و إن الحضارة الإسلامية على وجه الخصوص ، أصبحت تشكل تكتلاً آيديولوجياً ، سيجبر الغرب على التخلي عن أي طموحات(14).

 

•·       صِدام الحضارات بين القبول و الرفض :

       لا تذهب نظرية صدام الحضارات بعيداً عن أخواتها من النظريات الغربية ، التي جيء بها بغية رفد و تدعيم الاستراتيجيات السياسية ، الهادفة إلى فرض السيطرة الغربية على العالم المترامي ، فقد برز كمٌ معظامٌ من المنظّرين ، الذي جعلوا أستراتيجيات بلدانهم نصب أعينهم ، ليقيسوا ، وفقاً لها ،  كل نظرية يقدموها للعالم ، فهنتنغتون لم يأت بشيء غريب عما أتى به ماكندر و راتزل و كارل هاوسهوفر و كيلين و أضرابهم ، سوى أنه رأى أن أطروحات سابقيه أضحت معلومة لدى الناس ، لذا حرص على تقديم ما هو جديد و غير مألوف ، فأتى بنظريته حول الصِدام الحضاري .

      من هذه الزاوية إنطلق الفكر الإسلامي المعاصر ، لتقييم النظرية الهنتنغتونية ، فهو يذهب كما تقول كاطع ، إلى أن السياسات الغربية إستندت إلى فكرة أن المجال المحيطي العالمي ، لا بد من إحتواءه إلى عدوٍ ما ، فبعد ما كان عدوها الاتحاد السوفيتي ، تجدد بحثها بعد تفككه عن عدو جديد ، فإتخذت الإسلام عدواً لها ، الأمر الذي أدى بها إلى أن تعلن صراحة ، بداية المواجهة مع الإسلام ، و ذلك من خلال نظرية هنتنغتون ، فالصراع كان جزءاً مهماً من هذه السياسة ، فبعدما كان صراعاً آيديولوجياً ، أخذت تُعلن بأن الصراع القادم للقرن الحادي و العشرين ، سيكون صراعاً بين الحضارات ، لا سيما الحضارة الإسلامية و الغربية ، بل أن هذا الصراع دخل إلى مجال النظريات الأمريكية ، إذ أن نظرية صدام الحضارات ، تصارعت و تقاطعت مع نظرية فوكوياما ( نهاية التاريخ ) التي سبقتها مؤكدة أن انتصار الديمقراطية الغربية أوصلت التاريخ إلى نهايته(15).

      إن المفكرين المسلمون يعتقدون أن نظرية صدام الحضارات ، لا تعدو كونها أستراتيجية غربية ، أتت بعد الحالة الانهيارية التي تعرض لها الاتحاد السوفيتي عام 1991م ، نتيجة للرؤية الغربية الذاهبة إلى أن العدو الجديد و القوي ، الذي يهيكل عقبة كؤودة تصد السيطرة الغربية على العالم ، هو الدين الإسلامي ، تقول رئيسة وزراء بريطانيا مارغريت تاتشر ( لقد قضينا على الشيوعية ، و بقي علينا أن نقضي على الإسلام ).

      من المهم بمكان ، الإشارة إلى أن الاستنكارات التي واجتها النظرية الهنتنغتونية ، لم تكُ إسلامية بحتة ، فهنالك الكثير من المفكرين الغربيين الرافضين لفكرة الحضارات المتصادمة ، فالكاتب الأمريكي ( هارالد موللر ) ، يقف على الضد من هنتنغتون ، مستنكراً هذه النظرية ، و منتقداً للاستنتاجات اللاموضوعية التي توصل إليها ، حتى انه قدّم مشروعاً مناوئاً لما جاء به هنتنغتون ، في كتاب له طُبع تحت عنوان ( تعايش الثقافات .... مشروع مضاد لهنتنغتون ) ، أخذ فيه بتفنيد الأسس الارتكازية التي تقوم عليها نظرية هنتنغتون هذه ، لا سيما القول بان نصف الحروب هي نتيجة للتناقضات الايديولوجية ، و لا سيما الدينية ، يقول موللر ( إن ما يكتبه هنتنغتون في أن ما يقارب خمسين بالمائة من جميع الصدامات المسلحة في الوقت الحاضر ، تعود إلى خلفيات التداخل الثقافي لهو أمر ذو بال ، و من الطبيعي أن يرى في ذلك برهاناً على نظريته الخاصة ، و لكن ، هذا ليس على وفاق مع القواعد الأساسية للإحصاء ، فقارئ يخلو من الغرض ، سوف يستنتج من هذه المعلومات أن أكثر من نصف الحروب الداخلية و الدولية لم تقررها العوامل الثقافية )(16).

       أما ( صوفي بيتيس ) ، المؤرخة و الصحافية الفرنسية ، فترفض إطروحة هنتنغتون ، طارحةً في الوقت عينه ، التساؤل الآتي : لماذا لاقت إطروحة ( صدام الحضارات ) كل هذا النجاح و الانتشار ؟ فلا يوجد مثقف إلا و ناقشها أو تحدث عنها ، في الواقع _ كما ترى بيتيس _ إن هذه الإطروحة رجعية و خطيرة ، لأنها تغطي على المشاكل الحقيقية ، فهي إذ تركز على التناقض الثقافي أو الحضاري ، بين الغرب و العالم الإسلامي ، تُهمل الأسباب الفعلية للصراع ، و من أهم هذه الأسباب ، التفاوت الهائل بين غنى الغرب و ثرواته ، و بحبوحة شعوبه ، و بين فقر المجتمعات الإسلامية و البؤس الذي تتخبط فيه شرائح واسعة من الشعوب العربية ، و هكذا يتملص الغرب من مسؤوليته ، عن طريق القول بان المسلمين معادون في جوهرهم ، لقيم الحداثة و الحضارة !! و بالتالي ، فالصراع معهم إجباري ، ليس لان الكثير منهم يعانون من مشاكل الفقر و الكبت و القهر ، و إنما ميلهم الطبيعي إلى العنف!!(17).

       في رده على سؤالٍ وجه إليه ، عن رأيه حول مقولة ( صدام الحضارات ) ، أجاب الأديب البرازيلي ( باولو كويلو ) : ( أعتقد أن هذا مضحك للغاية ، فليس هناك صراع بين الحضارات ، و هناك من يريد أن يُقنع الناس بمسألة صراع الحضارات ، لكني أعتقد إن هذا غير صحيح و غير موجود )(18) ، و يعلل كويلو رأيه إنتفائية التصادم الحضاري ، مشيراً إلى إننا كائنات بشرية لدينا إتجاهات مشتركة ، و نسير نحو الضوء ، و يجمعنا إننا محبون للحياة ، و ننظر إليها بنفس الحماس ..... ، أن كل هذا يقودنا للتفاهم و ليس للتصادم ، إذا ظللنا نتحدث عن صراع الحضارات فقط ، فسيقود ذلك إلى صراع الحضارات ، و يعكس كويلو القضية ، طارحاً في معاكسته البديل الصحيح قائلاً : أما إذا ظللنا نتحدث عن التفاهم و التسامح فسنصل إلى ذلك ... و المفروض أن نوقف هذا الفكر _ فكر الصراع الحضاري _ ، و نقول أننا فعلاً مختلفون ، لكننا نتشارك في نفس القيم ، و لدينا خصوصيات و لا يمكن لأحد أن يفرض على الآخر قيمه الخاصة(19).

       و من الرؤى المهمة التي طُرحت في الغرب ، في نهاية عقد التسعينات ، رؤية المفكر الانكليزي ( بيد هام برايان ) التي عرضها في سلسلة المقالات التي نشرها في مجلة  Economist) ) خلال عام 1994 م ، و لكنها لم تحظ بالاهتمام الذي حظيت به رؤيتا فوكو ياما و هنتنغتون ، على الرغم مما تحويه من نظرات لافتة ، حول علاقة الغرب بالإسلام ، و هي رؤية تكشف في حقيقتها ، عن نوع من الاستراتيجية الغربية تجاه التعامل مع العالم الإسلامي ، و أوضاعه العامة ، لا سيما ما يرتبط بمضامين الحضور الإسلامي الفاعل في مسيرة الحضارة الإنسانية(20).

       يطرح برايان تساؤلاً حول ترجيحية وجود حرب محتومة ستجمع الإسلام مع الغرب ، في وطيس واحد أم لا ؟ يعتقد برايان عندما يحاول الإجابة على هذا التساؤل ، أن الصراع بين الإسلام و الغرب غير محتوم ، رغم ما يعبر عنه بالعنف الإسلامي ، هنا و هناك ، و كذلك تاريخ الصراع العنيف بين الإسلام و الغرب ، تارة بالهجوم الإسلامي على الغرب ، حتى وصل إلى ( بواتييه ) ، و أخرى بالهجوم الغربي على الإسلام حتى إحتل كثير من المناطق الإسلامية ، فعلى الرغم من هذا التاريخ إلا أن نوع الصراع غير مؤكد ، و يفسر ذلك بأنه رغم الاختلافات العقائدية بين المسلمين و بين الغرب المسيحي ، فإن هناك أرضية مشتركة يمكنهما أن يتحاورا عليها(21).

      إذا كانت الآراء المستعرضة سلفاً ، تشجب و تستنكر ، مقولة الصدام الحضاري ، التي حمل لواءها هنتنغتون ، داعيةً في ما إنطوت عليه إلى الحوار لا الصراع ، فان هناك ، في الجانب الآخر ، وجهات نظر مرحبة بالنظرية الهنتنغتونية ، و يقف على قمة الهرم ، الساسة الغربيون ، لا سيما في الولايات المتحدة الأمريكية ، كونها تُطمئن أفئدتهم ، لأنها تشرعن استراتيجياتهم السياسية ، حيث أن الصراع _ لا سيما أعلى مراحله ( الحرب ) _ يمثل حالة طبيعية ، لاختلاف المنظومات الثقافية و العقائدية للمجموعات الإنسانية ، و كذا فان هناك عدد من المفكرين الغربيين المؤيدين لمذهب هنتنغتون التصادمي ، فـ ( فرانسوا فوركيه ) ، أستاذ الاقتصاد في جامعة السوربون ، يعتقد أن صموئيل هنتنغـــتون على حق ، عندما يتــــحدث عن صراع الحضارات ، فالتفجيرات التي حصلت في نيويورك و واشنطن ، كانت موجهة فعلاً ضد حضارة الغرب ، و هي تهدف في ما وراء ضرب أمريكا إلى إنهاء الهيمنة الغربية على العالم(22) .

       أما ( كلود ليفي شتراوس ) ، فانه بعد أن كان يقول بعدم وجود ثقافة عليا و ثقافة دنيا ، و إنما جميع الثقافات متساوية ، و ينبغي إحترام خصوصياتها و اختلافاتها ، غيَّر رأيه بعد ذاك ، عندما إعترف بمديونيته و مديونية البشرية كلها لمخترعي الفكر النقدي أو العلمي في أوربا ، و أشار إلى انه من المستحب أن تتوصل جميع الشعوب إلى مرحلة الفكر النقدي أو التنويري(23) ، و الملاحظ أن شتراوس إنتقل نقلة متطرفة في نظراته لثقافة الآخر ، فهو إما أن يدعو إلى احترام جميع الثقافات ، بغض النظر عما تنطوي عليه تلك الثقافات من منظومات قيّمية _ عقائدية ، أو يدعو إلى الامتنان إلى الحضارة الغربية ، ذاهباً إلى مديونيته و مديونية الكل إليها ، و الحق فإن الحضارة الغربية تنطوي على إيجابيات لا بأس في الاستفادة منها ، و كذا على سلبيات حريٌ تلافيها .

       و نعود إلى الفكر الإسلامي المعاصر و موقفه من التنظير الهنتنغتوني ، فهو و إن كان ذهب إلى أن هذه النظرية نتاجاً معرفياً جيء به خدمةً للاستراتيجيات السياسية الغربية ، إلا أن هنالك من الإسلاميين من راح إلى وجود حالة من الصدام الحضاري بين الإسلام و الغرب ، إذ يعتقد ( محمد اليعقوبي ) أن هنالك ثمة صِداماً حضارياً ، فقد قال في إحدى محاضراته ( إننا نعيش في عالم تتصادم فيه الحضارات و الثقافات و الأفكار )(24) .

       أما ( أحمد القبانجي ) ففي كتابه ( الإسلام و الصحة النفسية ) ، يقول ( إننا نعيش صراعاً حضارياً مع الدول الاستكبارية التي تحاول تحقير الشعوب المستضعفة و إذلالها ، و غرس روح التبعية فيها ، حتى لا تقوم لها قائمة )(25) ، و لا يبتعد ( حسن حنفي ) عن القبانجي في رأيه حول صدام الحضارات، حيث يقول ( ينشأ صدام الحضارات عندما تأخذ حضارة واحدة صفة الحضارية العالمية ، و تجعل نفسها معيار كل الحضارات ، تنفي عن نفسها الطابع التاريخي الصرف ، و كأنها الحضارة الحق ، و كل ما سواها من الحضارات ، محلية ، تاريخية ، لا عقلائية ، سحرية ...... إلى آخر هذه السمات التي أُطلقت على الثقافات في آسيا و أفريقيا و أمريكا اللاتينية ، و هي حالة فريدة من نوعها في تاريخ الحضارات ، فالصراع مفروض من طرف على طرف ، من المركز على الأطراف(26).

      و الملاحظ أن هذهالآراء جميعها ، تعترف بوجود صدام حضاري ، و بالخصوص الصِدام الإسلامي - الغربي ، لكن تدقيق الرؤى و المتبنيات التي يستند عليها هؤلاء المفكرين ، كافٍ لإثبات أنهم من دعاة حوار الحضارات ، إلا أن الهيمنة الغربية ، أو هيمنة المركز على الأطراف ، و نشر ثقافة الحضارة الغربية الاوحدية ، و السعي الحثيث لاستلاب الهوية الإسلامية _ كما يعتقد هؤلاء المفكرون _ من الشعوب الإسلامية ، و شن حرب تكالبية لإبادة المد الإسلامي في العالم ، هي التي أسست لما يسمى الصدام الحضاري بين الإسلام و الغرب ، أما الحوار الحضاري الذي يأتي كإستجابة للممارسة التثاقفية ، ، التي تنطوي على إعتراف كل طرف بالآخر ، فضلاً عن قبوله ، فلا يرفض محمد اليعقوبي أو القبانجي أو حنفي اللجوء إليه و ممارسته .

       لكن تسليمنا لهؤلاء ، بان اقرارهم لصدام الحضارات بين الإسلام و الغرب ، هو للأسباب المذكورة أعلاه ، لا يعني بأي شكلٍ من الأشكال ، إنعدام وجود بعض الرؤى الإسلامية ، التي تؤيد صدام الحضارات جملةً و تفصيلاً ، و ترفض بقطعية ، الدعوة للتحاور الحضاري و الممارسات التثاقفية ، و هذا ما سيتطرق إليه الباحث في مستقبل هذه الدراسة .

       و بالعودة إلى الرؤى الإسلامية الرافضة للمذهب الهنتنغتوني ، نرى ( محمد حسين فضل الله ) يقول ( في تصوري أن كلمة صدام الحضارات لا تملك الكثير من الدقة ، لان صدام الحضارات قد لا يرتبط بالمناطق الساخنة أمنياً و عسكرياً )(27) ، و لعل فضل الله ، في تصوره هذا ، يريد أن ينفي ما زعمه هنتنغتون ، في انه من جملة الأدلة التي تدعم رأيه حول الصدام ، هو حدود الإسلام الدموية التي جعلته لا يستقر في فترات طويلة من الزمن ، إلا و إكتنفتها الحروب القانية بلون الدماء ، و يقدم فضل الله رأيه حول أسباب نشوب الصدام الحضاري قائلاً ( إنه قد يتحرك في العنف الفكري ، في تغليب حضارة على أخرى ، أما الواقع الموجود اليوم ، فهو صِدام السياسات ، لان المسألة ليست ، أن الحضارة الإسلامية تتبنى شيئاً ترفضه الحضارة الغربية )(28) ، فالمتبنيات القيّمية _ العقائدية التي تتبناها كل حضارة ، لا ريب في كونها تختلف _ بغض النظر عن مديات الاختلاف _ عما تتبناه الحضارات الأخرى ، لكن ما هو مرفوض ، أن تُستغل الطبيعة الاختلافية التي عبّر عنها القرآن الكريم ( و جعلناكم شعوباً و قبائل لتعارفوا )(29) ، لكي تؤدلج ، كنظرية تُطبع الصدام ما بين الثقافات و الحضارات المختلفة ، فالاختلاف ، بما هو اختلاف ، رحمة ، يقود الأمم إلى النظر بما تنطوي عليه منظوماتها الفكرية ، و تراجعها مراجعة تمحيصية لمعرفة الجيد من الردئ ،  هذه النظرة التفاؤلية للاختلاف ، هي التي يدعو إليها الفكر الإسلامي المعاصر ، ففي الوقت الذي إتضح فيه ، أن الفكر الغربي المتمثل ، في الوقت الراهن بالعولمة ، يسعى إلى نشر الصدام ما بين الحضارات ، الذي هو بائن من خلال التنظير الهنتنغتوني ، يؤمن الفكر الإسلامي المعاصر بنظرية حوار الحضارات ، التي يستند في ذلك إلى منهجه الإسلامي وفقاً للدعوة إلى الحوار القرآنية(30).

       يرى ( محمد عبده يماني ) ، أن نقاط الالتقاء بين الإسلام و الغرب عديدة ، و إمكانية كل منهما إزالة سوء الفهم ، و التعاون معاً على وفق ما فيه خير للصالح العام ، عن طريق تبادل الثقة و الاحترام ، فتحقيق ذلك _ كما يعتقد _ سوف يؤدي إلى عالم أفضل ، متحرر من الكراهية و العداء و الظلم(31).

      أما ( فواز الجابري ) ، فانه يرفض أساس المبدأ ، الذي تقوم عليه نظرية ( صدام الحضارات ) مقدماً جملة من التساؤلات  : فإذا كان هنالك ما يسمى فعلاً ( صدام الحضارات ) فلماذا إنتشرت الكتابة المسمارية من جنوب ما بين النهرين صعوداً حتى (( إيبلا )) _ جنوب حلب _ و إلى ( أوغاريت ) _ شمال اللاذقية _ ؟ و لماذا انتشرت الأبجدية الكنعانية و حروفها إلى كافة أنحاء أوربا ، ثم العالم كله ، عبر الأبجدية اللاتينية ؟ لماذا سمّى العرب المسلمون ( أبقراط الإغريقي ) بأبي الطب ، و ترجمت كتبه و كتب جالينوس إلى العربية ؟ كيف انتشرت صناعة الورق من الصين إلى أوربا مروراً بالشرق الإسلامي ؟ و لماذا ظلت مؤلفات الرازي و بن رشد و بن زهر و بن سينا ، تدرس في الجامعات الأوربية حتى نهاية القرن الثامن عشر ؟ لماذا ألفت المستشرقة الألمانية ( زيغريد هونكه ) ، كتابها المشهور ( شمس العرب تسطع على الغرب ) ؟ و لماذا إتجه معظم المثقفين و العلماء من كافة أنحاء العالم إلى باريس ( عاصمة النور ) و لندن و برلين للدراسة و التحصيل إبتداءاً من القرن التاسع عشر ؟ و أخيراً ، لماذا يتمنى مئات الملايين من سكان هذا العالم البائس الإقامة في الولايات المتحدة سواءاً للعمل أو للتحصيل العلمي في عصرنا الحالي ؟

       ثم ينحو الجابري بتساؤلاته منحاً آخراً فيقول ( إذا سلمنا بوجود ما يسمى صدام الحضارات ، فكيف نفسر الحروب اللانهائية التي شهدتها دول أوربا المسيحية فيما بينها على مدى ألف و ستمائة عام ؟ و كيف نشرح الفتن السياسية و الطائفية التي شهدتها بلاد الشام و العراق و مصر و الأندلس الإسلامية(32) ؟.

       و الملاحظ أن التساؤلات المطروحة من قبل الجابري ، بقدر ما تحويه في طياتها من إستفهامات قد يجد لها هنتنغتون أجوبة و مبررات بسهولة ، بقدر ما تحوي جانباً من نقاط حساسة تتعارض مع المتبنيات التنظيرية التي قدمها هنتنغتون ، و هي نقاط مهمة .

      هنالك من يعتقد أن إطروحة هنتنغتون حملت معها نذيراً بصدام الحضارات شبيهاً بصدام كتل القشرة الأرضية التي تفصل بينها صدوع و أثلام قارية ، أو بمعنى آخر ، حملت نذيراً ، و لو مجازاً ، بهزات و زلازل تشبه تلك التي تنبأت بها أساطير الدمار الكوني البدائية ، الموضوع هو ( صدام بين البشر ) يماثل فيه صاحب فكرته بين ظاهرة طبيعية و ظاهرة إنسانية مماثلة ميكانيكية ، لن تهمنا ميكانيكية منطلقات ( هنتنغتون ) ، بل إن هذا التماثل الجلي بين بنية الفكر الأسطوري البدائية ، و بين تفكير أستاذ معاصر و موضوعة هذا التماثل ، أي فكرة الدمار الكوني المشتركة(33) .

       و كردٍ على الذين يعتقدون بصحة المدعى الهنتنغتوني حول الصدام الحضاري ، بان تفجيرات أيلول / سبتمبر 2001 ، أدّل دليل على وجود حالة تصادمية بين الإسلام و الغرب ، كما ذهب إلى ذلك فرانسوا فوركيه ، يرى فضل الله ، إن هذا غير مقبول بقوله ( نحن لا نتصور أن لحضارات دور في هذه الأحداث [11أيلول/سبتمبر] بل إن المسألة هي حرب السياسات ، هناك عالم رأسمالي مستغِل للشعوب الفقيرة ، و هي تبحث في زاوية هنا و زاوية هناك ، أمام العجز الذي فُرض عليها(34) ، ما يعني أن الفكر الإسلامي المعاصر يرفض أن تكون عملية الاعتداء الذي تعرض لها برجيّ التجارة العالميين ( Twin Towers ) هي عبارة عن نتاج لصِدام حضاري ، و إنما هي تصادمات سياسية بين من إختلفت أستراتيجياتهم السياسية ، سواءاً ، أكانت بين دول أم منظمات أم جماعات أم أفراد .

 

الهوامش :

 

1 ) ورد كلام توينبي أعلاه في كتابه (( الحضارة في الميزان )) الذي نشره مطلع عالم 1948م ، نقلاً عن الانترنت http://www.moc.gov.sy/

2 ) رضوان السيد و أحمد البرقاوي ( المسألة الثقافية في العالم العربي الإسلامي ) الطبعة الأولى 1418هـ / 1998م ، دار الفكر _ دمشق ص 16 .

3 ) أحمد عياش ( سيناريو الحرب العالمية المقبلة ) على الانترنت http://www.bintjbiel.com/

4 ) شاكر محمد ذياب ( ما العولمة ) الطبعة الأولى 2004م ، شركة السندباد للطباعة _ بغداد ص 59 .

5 ) المصدر السابق ،  ص 59_ 60

6) حسن حنفي ( في الثقافة السياسية ) الطبعة الأولى 1998م ، دار علاء الدين للنشر و التوزيع و الترجمة _ دمشق ، ص 38_ 39 .

7) روجيه غارودي ، مصدر سابق ، ص 18

8 ) كتاب آرنولد توينبي ( الحضارة في الميزان ) على الانترنت : http://www.moc.gov.sy/

9 ) أحمد عياش ( سيناريو الحرب العالمية المقبلة ) مصدر سابق  ، على الانترنت : http://www.bintjbiel.com/

10) المصدر السابق .

11 ) المصدر السابق .

12 ) شاكر محمد ذياب ، مصدر سابق ، ص 59.

13) أحمد عياش ( سيناريو الحرب العالمية المقبلة ) مصدر سبق ذكره ، على الانترنت : http://www.bintjbiel.com/

14) على الانترنت : http://www.elamel.jeeran.com/

15 ) سناء كاظم كاطع ( الفكر الإسلامي المعاصر و العولمة ) الطبعة الأولى 1426هـ / 2005م ، منشورات لسان الصدق _ بيروت ص 245.

16) هارالد موللر ، مصدر سابق ، ص 104 .

17) هاشم صالح ( هل أن حوار الحضارات ممكن ؟ و كيف ؟ ) جريدة الشرق الأوسط 22/مارس _ آذار /2002 .

18) نقلاً عن : جريدة ( الرياض ) السعودية ، العدد 13485 ، 26/مايو 2005 ، 28ربيع الأول 1426هـ .

19) المصدر السابق .

20) محمد علي التسخيري ( الحوار مع الآخر ) الطبعة الأولى 1424هـ / 2003م ، نشر المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية ، طهران ص 141 .

21) المصدر السابق ، ص 143 .

22 _ هاشم صالح ( هل أن حوار الحضارات ممكن؟ و كيف ؟ ) مصدر سبق ذكره ، جريدة الشرق الأوسط ، العدد الصادر في 22مارس 2002.

23 _ المصدر السابق .

24 _ محمد اليعقوبي ( نحن و الغرب ) خال من تاريخ الطبع و الطبعة و الناشر ، النجف ص 95 .

25_ نقلاً عن : ليث الحيدري ( الشعور بالنقص بين النظرية القرآنية و علماء النفس ) الطبعة الأولى 1426هـ/2005م ، منشورات لسان الصدق _ قم ص 81.

26_ حسن حنفي ( في الثقافة السياسية ) مصدر سبق ذكره ص 43_ 44

27 ) نقلاً عن لقاء أُجري مع ( محمد حسين فضل الله ) .

28) لقاء أُجري مع ( محمد حسين فضل الله ) .

29) سورة الحجرات _ آية 13 .

30) سناء كاظم كاطع ( الفكر الإسلامي المعاصر و العولمة ) مصدر سبق ذكره ص 227 .

31 ) المصدر السابق ، ص 226 .

32 ) فواز الجابري ( في ما يسمى صدام الحضارات ) على الانترنت : http://www.saaid.net/

33) إنظر : مجلة أُفق الثقافية ، العدد الصادر بتاريخ : الجمعة 28أكتوبر 2005 .

34 ) لقاء أُجري مع محمد حسين فضل الله .

 

 

 

 

 

 

 

محمد هاشم البطاط


التعليقات




5000