.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


رسالة الى الشاعر سلام كاظم فرج

عبد الستار نورعلي

تمهيد

هذه الرسالة كُتبت  في البدء تعليقاً على مقالة الشاعر الصديق سلام كاظم فرج الموسومة (قراءة عند سفح القصيدة) المنشورة على موقع المثقف بتاريخ الأحد 19/12/2010 ، وذلك عن قصيدة الشاعر فائز الحداد النثرية (حين تغزلين الضوء) ، وبتأثيرٍ مما ورد في المقالة من طروحات وآراء قيمة طالت المداخلة في تطرقها وتناولها لأمور أدبية عديدة فارتأيت عندها نشرها منفصلة . وعساي وُفِّقْتُ فيما رميْتُ اليه.

 

الرسالة

 

الصديق العزيز الشاعر سلام كاظم فرج،

 

تحليلك يشرع ابواب موجبات الرؤية لولوج دواخل النصوص النثرية المشعورة ، ولنسمها ماشئنا قصيدة نثر أو شعر منثور أو نثر شعري أو نثر مركّز أو أية تسمية أخرى ، فلا فرق ، وبما أنّ مصطلح (قصيدة النثر) هو التي شاع في الاستعمال والاشارة الى هذا اللون وأضحى هو السائد ، لذا يُستخدَم توسعاً ودلالةً واسماً لهذا الفن.

 

حقاً قد غابت القواعد وتهشمت الشروط والضوابط وارتبكت كيفية التمييز بين نثر مركز يستخدم جماليات اللغة في ايصال فكرة أو حالة أوتجربة حسية وبين قصيدة النثر . ولذا دخل الميدان هذا كلُّ مَنْ يمتلك مقدرة ولو بسيطة في الكتابة ليُسمّي نفسه شاعراً حين يكتب نصاً نثرياً انشائياً بسيطاً يلعب فيه بشيء من المجازات الغرائبية أحياناً دون وعي وفهم لما يكتبه ، اضافة الى النشاز التعبيري الشاذّ والمرتبك والمُشوَّه . وهي أزمة ضاعت في خضمها المقاييس مما حفّز الكثيرين على أنْ يديروا ظهورهم لهذا اللون فيعودوا الى الأصول من الموروث الشعري لكي يكتبوا فيه ليكون لهم صوت شعري راسخ البناء مثلما الكلاسيكي في اعتقادهم ووفق اتجاههم الأدبي وميلهم الذوقي . ومن المبتدئين الموهوبين شعرياً والمتابعين والمطلعين كثيرون قد توجهوا الى العمود ليثبتوا كونه شعراء حقيقيين . وربما لأنّ الشعر العمودي له ضوابط وقواعد صارمة معروفة إرثاً شعرياً تاريخياً يستطيعون بالدراسة المنهجية والممارسة اتقانها والكتابة فيها ، مع علمنا بوجود الكثير من صغار أو أنصاف الشعراء يكتبون قصائد على منوالها وفيها الكثير من الجامد والتقليدي والضعيف وحتى اختلالات وزنية لعدم معرفتهم والمامهم الكافي بالأوزان وقواعدها .

وقد تكون فعلاً هذه الشروط والقواعد المنهجية قيوداً تلجم الانطلاق الحسي واللغوي  والتعبيري لكنها على الأقل قيود تعبّد طريق السالك فيها بقواعدها وشروطها والتزاماتها الشعرية واللغوية . كما تفتح أمام متناول نصوصها بالتحليل والدراسة والنقد هداية الوصول الى اسباب التوفيق والابداع أو الاخفاق فيها ومدى نجاح أو نكوص مبدعها.

إنّ ظاهرة انتشار وتوسع وكثرة من يكتب نصاً نثرياً وهو يتخيل أنه يبدع قصيدة نثر عن جهالة وعدم معرفة وإلمام ومتابعة ودراسة لَشيء مفزع صادم ومربك . إنّ للمواقع الألكترونية الكثيرة دوراً كبيراً ورئيساً في انتشار هذه الظاهرة ، لأنّ الكثيرَ منها تركت الحبل على الغارب في النشر دون ضوابط فنية أدبية وخاصة تلك التي يديرها أناس لا علاقة لهم بالثقافة عموماً وبالأدب والابداع خصوصاً ليتمكنوا من التمييز بين المنتج الحقيقي الأصيل المبهر والدخيل الضعيف . وهو ما يدفعنا وغيرنا الى المطالبة الصارمة بأن يكون من يلج هذا الميدان موهوباً أولاً ، ومتقناً لأدواته الفنية ثانياً ، وعالماً متسلحاً بالقديم الموروث مثلما الجديد المحدث ثالثاً ، ومثقفاً ثقافة واسعة رابعاً ، ليكون كفءً وقادراً وأهلاً لأنْ يجدّد أو يكتب الجديد قصيدة نثر كانت أم غيرها فيها قدر كافٍ من الشروط الواجب توفرها لتُحتسب شعراً.

وأقول لك الحقَّ : لقد برمنا بالكثير مما ينشر من هذا اللون وسط هذه الموجة الطاغية التي اختلط فيها الحابل بالنابل والغثّ بالسمين ، بحيث تاه السمين في موجة الغثّ العارمة ، هذا على الرغم من أننا نكتب فيه أحياناً ونتناول نصوصه بالتحليل والاشارة والاشادة حين نجد مبدعاً حقيقياً يستحق الوقوف عنده وخارج الاسماء الكبيرة المجددة فعلاً والتي لها بصمتها الابداعية التجديدية الواضحة التي لا خلاف عليها. 

أما بالعودة الى الشاعر فائز الحداد فهو أحد الاسماء الشعرية الكبيرة التي تتقن فن الشعر واللغة وسبرَ غور كنوزها لاستخراج المبهر مما لم يُستخرج . فهو في عموده الشعري قوي البناء مكتمل النماء ثرّ العطاء كما هو في نثره المشعور (قصيدة النثر) . وهنا لابد لي أن أدلو بقولي في فعل الأمر (تصابرْ) الذي أشرت اليه انت في متن استعراضك التحليلي . إن صيغة الفعل (تفاعَلَ) تعني المشاركة في الفعل بين اثنين أو أكثر مثلما نقول (تعاون وتشارك وتساعد وتصارع وتقاسم ....) ، وتعني أيضاً (التظاهر) بالفعل أي أنه غير متوفر في الفاعل فيحاول الايحاء والايهام للسامع بتوفره فيه مثل (تمارضَ ، تناوم ، تشاعَر ، تغافلَ ، تغابى ، تشاغلَ ...) ، ومن معانيها أيضاً (المطاوعة) أي قبول أثر الفعل والانقياد له مثل (تباعدَ ، تناثرَ ، تقادم ...) .

فما الذي أراد الشاعر فائز الحداد بفعل طلبه (الأمر) أن يوحي الينا ؟

تصابرْ ... بترياق الانتظار!

أرى أنه يطلب من المخاطب (نفسه ربما) أن يتلبس بالصبر ويطيع أثره ويتحمل ثقله ووقع نصله الممض المؤلم الثقيل كي يقدر على الانتظار باحتساء ترياقه خدراً يساعده في ذلك. فهو قد استخدم صيغة (تفاعل) بمعنى (المطاوعة) وبدليل اسخدامه الثاني لصيغة اخرى من صيغ المطاوعة في الفعل المزيد (تفعّلَ) في فعل الطلب (الأمر) الثاني (تقوّى) :

تقوّى على طيّ أجنحةَ البدء ،

وأنتَ تحلّق أعزل الخيار ...

بمعنى تلبّسْ القوة واقبلْ أثرها وأنت تكاد تضعف أمام الانتظار ووقع الصبر الثقيل . وإنْ كان استخدامه فعل الطلب (الأمر) خارج قاعدته النحوية التي تقول بأنّ الفعل المضارع المقصور يكون مبنياً على حذف حرف العلة (الألف) ، فكان عليه أنْ يقول (تقوَّ) ، فلربما أراد يصيغته هذه خروجاً على القاعدة النحوية وثورة عليها وعدم انصياع لقيود اللغة الملجمة احياناً للابداع ، فلا أعتقد أنه كان غافلاً نحوياً أو ساهياً لحظة خلق القصيدة أو عند اعادة النظر فيها، وكما اشرتَ أنت .

وأنت تعلم أن القواعد اللغوية النحوية والصرفية رغم منطقيتها وثقلها وجمودها المقيِّد كثيراً لما نقول ونكتب إلا أنها تفتح مغاليق المعاني الكامنة خلف الجمل المشكلة من الألفاظ واشتقاقاتها وعلاقاتها البنيوية . ومصنفوها وواضعوها وممنهجوها ، وهم مكتشفوها من اللغويين نحويين وبلاغيين ، بحثوا في اللغة طويلاً لاستنباط المضامين المعنوية الدلالية التي تحملها الكلمات في استخداماتها اليومية والابداعية التسجيلية ليُشرعوا أبواب الفهم والادراك أمام نوافذ عيون وعقول المتلقين حين يقفون أمام النصوص المكتوبة او المسموعة دون فهم بعض الألفاظ والعلاقات بينها، وخاصة في القرون اللاحقة فيما بعد الجاهلية وصدر الاسلام ، لأنها ابتعدت عن جذور اللغة في طبيعتها الاستخدامية الدلالية المعنوية اليومية لايصال القول المراد بين المتحادثين أو القرّاء والتي كانت تلك الألفاظ  وعلاقاتها هي وسيلتهم في التواصل بمادتها المفهومة، فقد كانت هي لغة العرب نطقاً وتواصلاً انسانياً تعاملياً عاماً وكتابياً وابداعياً . فما كانت بغريبة أو غامضة عن مداركهم  ووعيهم المتوارث واستخداماتهم لها . ولذا وُجدت الشروح اللغوية والدلالية المعنوية على تلك النصوص شعريةً كانت أم نثرية أدبية كحاجة ضرورية لأضاءة مضامينها وايصال ما يريده مبدعوها ، لأنها كانت غامضة المعنى غريبة عن مدارك الناس العاديين والقراء المتابعين من غير المتسلحين بسلاح اللغة في أصولها ومعاني ألفاظها وبلاغاتها ودلالاتها الاشتقاقية. ولربما ماقاله بعض اللغويين عن ضرورة غموض الشعر هو في هذا السياق لكي لا يهبط الى مستوى الضعف اللغوي والاشاري اليومي العامي العادي المتداول الى حد الافراط والتفريط . فحين قال ابن الأثير : "الشعر ما غمض فلم يعطك غرضه إلا بعد مماطلة." وكذلك عبد القاهر الجرجاني حين قال :"ليس في الأرض بيت من أبيات المعاني لقديم أو محدث إلا ومعناه غامض." قد يكون رأيهما في السياق الزمني الذي كانا فيه وهما باشارتيهما هاتين لا يعنيان الغموض بمعنى الانغلاق والتعقيد والاستعصاء على المدارك والرؤية بقدر ما كانا يعنيان الصور والألفاظ والمجازات والعلاقات اللغوية والترميز ونحن نعرف تخصّصهما اللغوي والبلاغي. وبالتأكيد فإننا لا يمكن لنا أن نعتبر ما يُسمى بالشعر التعليمي مثلاً شعراً بالمعنى الفني خارج نظمهِ الشكليّ . أو أن نعدّ منْ يصف مهفةً (مروحة يديوية بالعامية العراقية) أو قاطرة حين دخلت لأول مرة الى بلداننا شعراً:

ومحبوبةٍ في القيظ لم تخلُ من يدٍ ... وفي القرِّ تجفوها أكفّ الحبائبِ

إذا ما الهوى المقصور هيّجَ عاشقاً...أتتْ بالهوا الممدودِ منْ كلّ جانبِ

  *   *    *

وقاطرة ترمي الفضا بدخانها .... وتملأ صدر الأرض في سيرها رعبا

 

أو ألفية ابن مالك ، أو ماشاكلها مما جاء في تاريخ الشعر العربي.

ولكنْ ليس كل وضوح قتلاً للنص مثلما أشرتَ ، فمن الوضوح ما هو سهل ممتع مستعصٍ حتى على الكبار . وأنا أعرف أنك بالوضوح هنا تشير الى قصيدة النثر دون غيرها . لكنني قرأت الكثيرين من الشعراء والنقاد والأدباء يرون هذا الرأي ويقولون به ، وربما لتبرير ما يكتبون من طلاسم وألغاز وأحاجي ويسمونها شعراً . ولا بد لي هنا أنْ أشير ثانية الى أنّ الوضوح ليس قتلاً حين يكون ناظمه عارفاً خبيراً بما يكتب وما يقول وعن خلفية معرفية وفنية وموهبة لا يُشقّ لها غبار . ومحيط إرثنا الشعري كنز لا ينضب من أمثلة الوضوح الجميل الباهر والسهل الممتنع والمستعصي على غير مبدعه والمضيء والمدهش:

قال كثيّر عزّة يخاطب جمله:

حيتكَ عزةُ بعد الهجرِ وانصرفتْ ... فحيّي ويحكَ مَنْ حيّاكَ يا جملُ

لو كنتَ حييتها مازلتَ ذا مقةٍ .... عندي وما مسّكَ الإدلاجُ والعملُ

ليتَ التحيةَ كانتْ لي فأشكرها ... مكانَ: ياجملُ ، حُييتَ يا رجلُ

 

وقال ديك الجنّ:

يا طلعـةً طلعَ الحِمامُ عليها ... وجنى لها ثمـرَ الردى بيديها

روّيتُ منْ دمها الثرى ولطالما ... روّى الهوى شفتيَ منْ شفتيها

 

وقال أحمد شوقي:

خدعوها بقولهم حسـناءُ  ..... والغـواني يغرهنَ الثناءُ

أتراها تناستْ اسمي لمّا ... كثرتْ في غرامها الأسماءُ

نظرة ، فابتسامة فسلامٌ .... فكلامٌ ، فموعدٌ ، فلقاءُ

 

كما قال في قصيدته الشهيرة (ياجارة الوادي):

شـيّعتُ أحلامي بقلبٍ باكِ ... ولممْتُ من طرق الملاحِ شباكي

ورجعتُ أدراجَ الشبابِ ووردهِ  ... أمشي مكانهما على الأشواكِ

وبجانبي واهٍ كأنّ خفوقهُ  ... لما تلفّتَ جهشةُ المتباكي

ويحَ ابن جنبي كلُّ غايةِ لذةٍ ... بعد الشبابِ عزيزةُ الإدراكِ

...........

ياجارةَ الوادي طربْتُ وعادني ... ما يُشبهُ الأحلامَ منْ ذكراكِ

.......

 

وقال نزار قباني:

لو كنتِ في مدريدَ في رأس السنهْ

كنا سهرنا وحدنا

في حانةٍ صغيرهْ

ليسَ بها سوانا

تبحثُ في ظلامها عن بعضها يدانا

كنا شربنا الخمرَ في أوعيةٍ من الخشبْ

كنا اخترعنا ربما جزيرهْ

اشجارُها من الذهبْ

أثمارُها من الذهبْ

تتوّجينَ فوقها أميرهْ

 

وقال الجواهري:

أي طرطرا تطرطي ... تقدّمي ، تأخّري

تسنّني ، تشيّعي ... تهوّدي، تنصري

وقال:

حييتُ سفحكِ عنْ بعدٍ فحييني ... يادجلة الخيرِ يا أم البساتينِ

وقالَ:

حسناءُ رِجلكِ في الركابِ ... ويداكِ تعبثُ بالكتابِ

وانا الظميءُ إلى شرابكِ ... كانَ منْ ريقي شرابي

حسناءُ لم يعسرْ طلابي ... لو كان ما بكِ مثلُ ما بي

لكنْ بكِ المرحُ اللعوبُ وسحرُهُ ودمُ الشبابِ

وبي الذي لا شيءَ يعدلُ سحرَهُ إلا التصابي

وخطَ المشيبُ كأنهُ .... كَـلاً تهيّأ لاحتطابِ

 

قال المعري:

علّلاني فإنّ بيض الأماني فنيتْ والظلامُ ليس بفانِ

ليلتي هذه عروسٌ من الزنجِ عليها قلائدُ منْ جُمانِ

 

وقال أبو فراس الحمداني:

أراكَ عصيَّ الدمعِ شيمتكَ الصبرُ ... أما للهوى نهيٌ عليكَ ولا أمرُ

بلى، أنا مشتاقٌ وعندي لوعةٌ .... ولكنَّ مثلي لا يُذاعُ له سرُّ

 

وقال معروف الرصافي:

أنا بالحكومةِ والسياسةِ أعرفُ ... أألامُ في تفنيدها وأُعنَّفُ

وقال:

منْ أينَ يُرجى للعراقِ تقدّمٌ ... وسبيلُ مُمتلكيهِ غيرُ سبيلهِ

لا خيرَ في وطنٍ يكونُ السيفُ عند جبانهِ والمالُ عندَ بخيلهِ

 

فهل هذا الواضحات وأمثالها من ألوف القصائد والأبيات والنصوص منذ الجاهلية حتى اليوم مقتولةٌ منسيةُ لا تردِّدها الألسن وغائبةٌ غارقةٌ في النسيان؟

وحتى في قصيدة النثر هناك وضوح ممتنع باهر الصياغة مدهش الايحاء مذهل الصور والمضامين باسق البناء.

يقول أدونيس في قصيدة (المهد):

أتحدَّثُ مع عَدَنٍ وتوحي إليّ صنعاء تسيرُ معكَ الأولى وتُقْبِلُ

إليكَ الثانيةُ فيما تجلسُ حولَهما الجبالُ كمثلِ شُهُبٍ هدَّها السيرُ.

صنعاءُ ـ تسندُني أشجارُ السِّدرِ تُظللني أشجارُ العرعرِ

تحضنُني بيوتٌ أعشاشٌ تواكبُني مُدرّجاتٌ سلالمٌ وحينَ أنخفضُ

في تهامة وألتبسُ بعُشبِ الأقاليمِ تتخطفني نباتاتٌ تتآلفُ معَ

الصخرِ ونباتاتٌ تعشقُ الملوحةَ وتنفجِرُ أمامي الأوديةُ حقولاً

 

يقول انسي الحاج في قصيدته (غيوم):

هل يحبُّ الرجل ليبكي أم ليفرح،

وهل يعانق لينتهي أم ليبدأ؟

لا أسأل لأجاب ، بل لأصرخ في سجون المعرفة.

ليس للانسان أنْ ينفرج بدون غيوم

ولا أن يظفر بدون جزية.

لا أعرف منْ قسّم هذه الأقدار ، ومع منْ هذا فإنّ قدري أنْ ألعب ضدها.

هلمي يا ليّنتي وقاسيتي،

يا وجهَ وجوه المرأة الواحدة،

يا خرافة هذياني،

يا سلطانة الخيال وفريسته،

يا مسابقة الشعور العدد ،

هلمي الى الثواني المختلجة نسرق ما ليس لأحد سوانا..

وهمُكِ أطيبُ من الحياة وسرابُكِ اقوى من الموت.

 

يقول قاسم حداد في قصيدة (المحرق):

أزقّتها المتربة
تجاعيد أطفالها الشاحبة
زرقتها،
ريشة التاج في عرسها
بحرها يحرسُ الفقرَ فيها
ويجتازها
تحضر الآن، في غيم برلين
رغم المسافات
تقترح الكتب الغائبة
أسمعُ نومَ النوارس في معطف الليل
أسمعها في الظهيرة
أركضُ،
والشمس خلف الخطى التائبة

يا أيّها الولع المرّ
يا منتهاي البدائي
أيتها المدن الغريبة
أنساكِ و أذكّرها وحدها ..
فرساً سائبة.

 

وتقول الشاعرة اللبنانية جوزيه الحلو في قصيدتها (قضبان النجوم التي...):

قلتَ:

أنتِ ماءُ الزهر

وفردوس عدن سراب

من دون شقائق النعمان

أنتِ ولع الليل بطرف ثوبكِ الأحمر

وركوع الموت من اجل قبلة على شفتيكِ

أنتِ قصبُ السكر وكحول الليل

وهبوب الرياح المهاجرة

في كلّ مكان

وتيه اللقاح

 

وهناك الكثير الكثير من الواضحات الجليات المُستَسهَلات ، لكنها عصياتٌ ممتنعاتٌ على غير المبدعين الحقيقيين ، فلا تعطي أنفسها إلا بشقّ الأنفس.

والنصوص أعلاه نماذج على سبيل المثال لا الحصر.

 

وأخيراً وليس آخراً ، لقد أصبْتَ إذ رميتَ ، وأجدْتَ إذ رأيتَ (أنّ قصيدةَ النثر تُستنشق ولا تُفسّر). فهي حقّاً تُستنشَقُ بنفَسٍ عميق ، وتُقرَأ بأناة وانتشاءٍ وهي تُحتسى نبيذاً ممزوجاً بالحسّ وعصيراً متشرباً بالفؤاد ومِنْ دنان الغوص فيما وراء الشكل والمضمون لغةً وصورةً وايحاءً ورمزاً . وهذا لا يكونُ إلا في القصائد ... القصائد!

 

مع فائق التقدير والتحيات والمحبة والامتنان ، فلكَ الفضلُ فيما أنا أدليْتُ فيه بدلوي هنا .

سلامي ...

 

عبدالستار نورعلي

الخميس 23 ديسمبر 2010

 

رابط مقالة الشاعر سلام كاظم فرج:

http://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=41563:2010-12-19-02-08-57&catid=34:2009-05-21-01-45-56&Itemid=53

 

رابط قصيدة الشاعر فائز الحداد (حين تغزلين الضوء):

http://almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=41305&catid=35&Itemid=55

 

 

 

 

عبد الستار نورعلي


التعليقات

الاسم: يحيى السماوي
التاريخ: 2010-12-24 22:11:38
دراسة ثرة عن شاعر ثر وعن مفصل أدبي مهم حول جنس أدبي أضاف دما جديدا إلى جسد المنجز الشعري العربي ..

شكري الكبير لأخي ومعلمي الشاعروالناقد الكبير عبد الستار نور علي وأخي الشاعر الكبير فائز ومثله لأخي المبدع المائز سلام فرج كاظم وكل الأحبة ممن أدلى برأي

الاسم: عبد الستار نورعلي
التاريخ: 2010-12-24 21:54:16
عزيزتي بان ضياء حبيب،
مرورك يبان منه ويفوح عطر روحك الابداعية وطيبتك وبريق قلبك الموشح بالضياء والمحبة.
تحياتي

الاسم: عبد الستار نورعلي
التاريخ: 2010-12-24 21:52:15
حبيبي الشاعر لسامي سامي العامري،
هذه اساسيات من يريد أن يلج عالم الشعر وسحره ، وختمك عليها ختم قدير كبير في فنه عالم في ابداعه الجميل . وهذا ما يذكّرني بقول الحطيئة:
الشعرُ صعبٌ وطويلٌ سلمُهْ
إذا ارتقى فيهِ الذي لا يعلمُهْ
زلّتْ بهِ الى الحضيض قدمُهْ
يريدُ أنْ يُعربهُ فيعجمُهْ
ولم يزلْ منْ حيثُ يأتي يخرمُهْ
تحياتي

الاسم: بان ضياء حبيب الخيالي
التاريخ: 2010-12-24 21:30:24
استاذي الكبير عبد الستار نور علي

درس ثمين جدا يضاف لقائمة متوهجة ، كن بخير دائما سيدي المبجل لكم وللجبل فائز الحداد ولأخي الاكرم سلام كاظم فرج
كل احترامي وتبجيلي

الاسم: سامي العامري
التاريخ: 2010-12-24 09:27:25
( ... هو ما يدفعنا وغيرنا الى المطالبة الصارمة بأن يكون من يلج هذا الميدان موهوباً أولاً ، ومتقناً لأدواته الفنية ثانياً ، وعالماً متسلحاً بالقديم الموروث مثلما الجديد المحدث ثالثاً ، ومثقفاً ثقافة واسعة رابعاً ، ليكون كفءً وقادراً وأهلاً لأنْ يجدّد أو يكتب الجديد قصيدة نثر كانت أم غيرها فيها قدر كافٍ من الشروط الواجب توفرها لتُحتسب شعراً...)
-------
هذه الشروط هي ليست قيوداً مطلقاً لكي نطالب أنفسنا بالتحرر منها إلا إذا كانت المعرفة قيداً واكتساب جماليات وأفق مدركات سجناً !!
أضم صوتي مجدداً لصوت الشاعر الملهم والناقد القدير عبد الستار نور علي في التأكيد على الإحاطة بهذه الضرورات أو الأساسيات أو البديهيات وعلى ضرورة التمكن منها من باب الحرص على أصالة القصيدة وضمان جماليتها وتدفقها ثم الإبداع والتجديد من خلالها ونطلاقاً منها ولكي تكون ثمة إمكانية لدراستها منهجياً .. إن الشعر علم وفن وليس فوضى وترهلاً وأكثر من يتحملون المسؤولية التأريخية أمام هذا الخراب والإستهانة بالشعر هم المحررون وأصحاب المجلات والمواقع التي تدعي إيلاءها اهتماماً بالشعر والمعرفة الحقة فيما أصحابها أمعات !
تحية من الصميم للأعزاء المبدعين بتميز عبد الستار نور علي وسلام كاظم فرج ولفائز الحداد ولجميع محبي الشعر والتحليق في أجواز المعرفة برشاقة وأناقة

الاسم: عبد الستار نورعلي
التاريخ: 2010-12-24 07:56:36
الأخ الشاعر الرقيق والفنان البديع عباس طريم،
بكم تحلو القوافي والأغاني
وتزدهرُ الأطايبُ في المغاني
وأبقاكم لنا الرحمنُ حبّاً
نداومُهُ على مرِّ الزمانِ

الاسم: عبد الستار نورعلي
التاريخ: 2010-12-24 07:50:11
الأخ العزيز خزعل طاهر المفرجي،
وما أروعك بمرورك العذب الذي يلقي في نهر نصوصنا وقلوبنا رحيق روحك وابداعك الأصيل.
محبتي

الاسم: عبد الستار نورعلي
التاريخ: 2010-12-24 07:47:23
الأخ المبدع الأصيل سلام نوري
وتحيتي لك وقبلة على خد ميسان الطيبة والشعراء والفن الجميل .
سلامٌ من صبا قلبي اليكم
تعطّره المحبةُ والصفاءُ
فها ابنٌ لميسانٍ تجّلّى
بثوبِ بديعهِ يحلو الغناءُ
محبتي

الاسم: عبد الستار نورعلي
التاريخ: 2010-12-24 07:42:58
الصديق العزيز الشاعر سلام كاظم،
بدءً اشكر لك أنك فتحت قريحتي في أنْ أقول ما أرى. نعم أذكر البيان الشعري وما تلاه من بيانات. ومجلة شعر 69 التي صدر منها ثلاثة أعداد فحسب إنْ لم تخني الذاكرة . كنت محتفظاً بها في مكتبتي الخاصة التي رحلت برحيلي عن الوطن. وضاكرة التاريخ الأدبي منذ الأربعينات حقبة التجديد الشعري على يد شعراء الشعر الحر او ما سمي بعد ذلك بشعر التفعيلة وما واجهها من حرب ضروس من أنصار الشعر العمودي حتى أن بعض المجلات والصحف كانت تأبى نشر قصائد هذا اللون . لكنها ترسخت بحكم التطور التاريخي في كل مناحي الحياة ومنها الثقافة والأدب. ثم جاءت حركة التجديد اللاحقة (قصيدة النثر). وأنا مع الرأي القائل بأنّ من يسميها بهذه التسمية قد تجنى عليها ، وهنا أذكر ايضاً ما قاله الناقد الدكتور محيي الدين اللاذقاني بهذا الصدد وأضاف بأنه شعر أم لا شعر فإذا كان شعراً فلماذا يسمونه (قصيدة نثر)؟!
وأنا مع هذا الرأي لكن بما أن التسمية غلبت وشاعت فلا بأس أن نسمي النصوص المكتوبة في هذا الون بهذه التسمية طالما أن في ذلك اشارة اليها خارج اطار الوزن والقافية.
لربما هذا الفن بحاجة الى تنظير ادبي ، لكن يبدو لي ان حريته المطلقة والمنفلتة هي السبب في صعوبة الوقوف لوضع الأصول والقواعد والشروط الفنية الهادية لمبدعيه ومتناوليه بالنقد والتحليل.
مع تحياتي


الاسم: عباس طريم
التاريخ: 2010-12-23 22:14:30
الاديب الكبير الاستاذ عبد الستار نور علي .
سيدي المحترم تحية لك ولقلمك الجميل.. الذي ينثر الدرر والجواهر . ويزرع عذب الكلام في بوادينا .
لا ادري لماذا ارى ان شعر النثر ياتي احيانا دون ضوابط , ومن النادر ان نستمتع الى قصيدة رائعة.. تجبرنا على الوقوف والتامل .. لروعتها وحسن معانيها .
والاديب سلام كاظم فرج. من بين الاسماء القليلة.. التي نستعذب نتاجها الجميل . فتحية له وليراعه الجميل .
وتحية حب ومودة وتقدير..! الى كبير الاباء, الاستاذ عبد الستار نور علي اطال الله بعمره ..

الاسم: خزعل طاهر المفرجي
التاريخ: 2010-12-23 19:43:39
استاذي ومعلمي عبد الستار نور علي
ما اروعك
دائما كتاباتك تسدنا اليها وتجلب لنا المتعة والاستفادة
احييك واحيي استاذي سلام كاظم فرج
دمت لقلمك المبدع المعطاء
احترامي وتحياتي لكما

الاسم: سلام نوري
التاريخ: 2010-12-23 18:16:07
رائع ماقرأت هنا صاحبي
محبتي لكما معا

دمت

الاسم: سلام نوري
التاريخ: 2010-12-23 18:13:58
الاستاذ عبد الستار
سلاما لكما معا
ما احوجنا الى هذه الطروحات الجميلة

الاسم: سلام كاظم فرج
التاريخ: 2010-12-23 16:46:00
الشاعر الكبير الاستاذ عبد الستار نور علي..
وماذا يقول التلميذ في حضرة الاستاذ؟
لاشك ان ما اصطلح عليه بقصيدة النثر ورغم مرور اكثر من نصف قرن على بزوغهاعربيا . لم تنل تنظيرا مؤسسا كافيا يليق بما وصلت اليه على يد شعراء افذاذ بقامة محمد الماغوط وسنية صالح وحسين مردان. وحتى رائدها ادونيس انصرف الى التنظير الفكري الانساني .. ورغم ان الشعراء العراقيين قد اسهموا اسهامة فاعلة في هذا الجنس شعرا وتنظيرا.. كمالك المطلبي وخزعل الماجدي وفاضل العزاوي. ولعلك تتذكر البيان الشعري الذي اصدره فاضل العزاوي ورفاقه نهاية الستينات ونوقش على صفحات الثقافة الجديدة .. والبيانات الادبية الاربع لخزعل الماجدي في التسعينات عن الحداثة وما بعد الحداثة. الا ان كل ذلك لم يصل في رأيي المتواضع الى ما وصل اليه مؤلف نازك قضايا الشعر المعاصر ولا مقالات السياب. وعشرات المقالات المؤيدة والمناوئة لما اصطلح عليه بالشعر الحر.
ميزة ما يطرحه فائز الحداد ناقدا انه يرى ان قصيدة النثر هي القصيدة الحرة الجديرة بهذه التسمية.. ففي رايه ان هنالك ظلما قد حاقها بسبب هذه التسمية.(قصيدة النثر) من هنا وجدنا ان نفتح ملف الاختلاف. وها انت تبادر استاذنا الكبير بكتابة هذه الدراسة القيمة فلك منا كل التقدير.. ونحن متفقون ان الشعراء مذ كانوا طبقات. ومراتب . فمنهم المبرز الفحل ومنهم الهامس الخجول.. ولكي لانغمط حق المرأة لابد من التذكير بتماضر الخنساء التي غلبت الفحول..




5000