.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الصمت واشكالية الحوار في نصوص هارولد بنتر

د. سامي الحصناوي

قلما تتصالح فكرة (الصمت) في سياقها النصي مع اللغة في شكلها الحواري لأن الصمت يستمد سماته من الخيال التأويلي النصي المتغير ، وبذلك يبقى الصمت في النص كيان تتحكم به طرز من التلقي المنوع ، أما الحوار أو الكلمة فهو تمثيل سماعي ثم صوري امتزج مع التكرار والإفصاح المباشر والمتعلق بشكله المخادع المرادف للمراوغة ، فالصمت لا يخضع للتكرار كما في العرض بل لسكونيه منهجية مشروطة ، فما نقراءه اليوم ليس بالضرورة يعطي ذات المعنى أو الجمل الصورية للدلالات المكتسبة عبر النظر إلى أسطر كلمات النص ولمدركات الخيال المنفلتة ، وذلك عندما نستعيد قراءة ذلك النص بعد شهر أو سنة فحتماً سوف تختلف عناصر الرؤية التخيلية المعرفية خلال فترة الانقطاع تلك مما يتيح رؤية جمالية جديدة للمفردات المتخيلة في ذات النص ، أما في العرض فقد تثبت تلك المفردات الصورية في الديكور والأزياء ولباس الممثلين وألوانها والإضاءة وأصبحت واقعاً جدلياً مادياً فوق الخشبة ، وباتت فكرة الصمت هي الأخرى مجسدة بالحركة والإشارة والإيماءة والنظرة ، لا أن نتخيلها ونعطي هواجس لمكان حدوثها وتأثيرها والرغبة ربما بتغير موقعها أو نمطها . إن الومضة الدلالية للصمت في النص قد لا تعطي ذلك الامتعاض الحقيقي بالتأثير على مجريات الأحداث إذا لم يحسن المؤلف وضعها في مكانها أو حتى لم يذكرها بالمرة وهنا حتماً سوف يقع القارئ في إشكالية التأسيس لتلك الفكرة أو الإشارة ، ولكن مع ذلك لا يخلو ذهن أو فكر ذلك القارئ من الإحساس بحركة أو فكرة (الصمت) ومفهومه على أساس الثبات وأن اللغة المحكية ما عادت قادرة على استبيان نقاط العيب أو الصحة في الفكر الإنساني وعلاقاته المتشابكة شأنه شأن إدراك المحسوسات باللمس لا بالنظر وغالباً ما تبرز ملاحظات المؤلف المسرحي بشأن الوقفات أو التوقفات بين ثنايا الحوارات المسرحية ، حيث ندرك بعد برهة أهمية هذا التوقف أو الصمت عندما نعي قيمته كمحفز ادائي فعال ، أكثر من مجرد استمرار في حوارٍ مكرر الصياغات بلا طائل ، وهذا ما يجعل قوة (الصمت) مستمداً من قوة موقعه ولحظة حدوثه ومسوغاته فأن "التردد ولو لمدة ثانيتين ، قبل كلمة (نعم) يجعلها أقوى مما تكون عليه بدونه ، وأن مفعول الصمت القصير لا ينفصل عن مفعول كلمة نعم ، والصمت المطول يمكن أن يكون له مفعول قوي إذا كان ناشئاً عن توتر وبشرط ألا يمتد أكثر مما ينبغي بحيث يدمره"() . ومع ذلك فهناك صعوبات في تلقي فكرة (الصمت) في النص المسرحي التي قد تأتي بالمزاوجة والرضى والاتفاق أو التناقظ بين فكره وإرشادات المؤلف ورغبة القارئ الفطرية في تحديد مسار عمل هذا الصمت بما يناسب تفاعله مع الحدث وخلفيته الاجتماعية والنفسية ، ولاسيما مع غياب إرشادات المؤلف المسرحي عن وجود فترات التوقف الصامتة (محلها ، وقتها ، فتراتها) ، حيث تتضاعف أزمة القارئ في هذه التحديدات لذا فأن "المشكلات الأساسية الثلاث التي تواجه القارئ هي:-

 

الحصناوي في مسرحية الشهداء ينهضون من جديد

•1-   معرفة أين تأتي فترات الصمت .

•2-   قياس طولها .

•3-   تخيل مفعولها () .

ولكن ملاحظات المؤلف على هواها تعطينا حيزاً مريحاً لتلقي أو تعيين فترات الصمت وانتظار نتائج اشتغالها على أحداث المسرحية كما تخيلها في نصه ويبقى القارئ حراً في تثبيتها أو نقلها إلى حيز أخر غير ما ارتاه المؤلف بالتحديد، ومن ثم المخرج المسرحي حراً أيضاً بعد ذلك عند نقله هذا النص إلى الخشبة في التلاعب بفترات الصمت ومحلها وحيزها ووقتها منطلقاً من تزاوج تجربة المؤلف مع تجربته الحياتية وثقافته في إنجاح توقيت الفترات الصامتة داخل العرض المسرحي حيث أن "من السهل جداً تمييز فترات الصمت عندما يعطينا الكاتب توجيهات مسرحية مثل ((بعد برهه صمت قصيره)) أو ((متردداً))"() ، ولكن مع ذلك فان معظم المخرجين قد يتفهمون دوافع ملاحظات المؤلف في نصه الدرامي في معظم حالات (الصمت) لأنها تأتي من استجابة حسية وذهنية يعيشها ذلك المؤلف في نصه ويحاول أن يترجمها في مشاعر شخصياته وحركاتهم ومشاعرهم وحواسهم ، وعليه فأن الحوار أو الصمت أو الأحداث هي تجربة حسية يعيشها المؤلف من داخل الشخوص التي صنعها لذا فأن "هذا يعني أنه ليست عناصر الصوت للنص الأدبي هي التي تجعل عناصر النطق والصمت مميزة للشخصية التي على الخشبة ، هذه تنشأ على الأصح ، عن عناصر منقولة عن مادة مختلفة ، كالخواص الانفعالية للأحاديث المباشرة من ناحية ، والتوجيهات في ملاحظات المؤلف من ناحية أخرى"() ، وعليه فأن الصمت في ملاحظات المؤلف قد تؤخذ على أنها الطابع العام للنطق الثاني أو المختبئ والقادر أن يحمل عبئاً معنوياً كبيراً، أنه قادر أن يشير إلى الشخصية في بعض خصائصها الحسية والعقلية مثل (اللطف ، الفظاظة ، الخجل ، الغضب) ولكن هذه الشخصيات التي تمارت لعبه الصمت هي شخصيات ذات ذوات فعالة لأن مفهوم الصمت واشتغاله هو منطق فكري يبتعد عن المزاجية الانية أو اللحظوية السريعة ، بل هو موقف خضع لابعاد الصيرورة الواعية حيث شكلت صورته قوة الشخصية التي هي بالضرورة حتمت وجودها تجربة ذات المؤلف الفكرية والحياتية والتي في بعض الأحيان تتخطى ذوات الشخصيات التي رسمها فـ((هناك تناقض واضح بين هذه الذوات والمؤلف الذي هو الذات المركزية"() ، ولكن من جانب فأن وعي الشخصيات قد يتخطى الذات المركزية للمؤلف ، ونرى أن تلك الذات قد انحسرت امام مد هذه الشخصيات وطغيان حركتها اللامحدودة فنرى أن صمتها قد تجاوز التجربة الحياتية لصاحبها المؤلف وتخطاه ، ونتيجة لذلك"تميل فاعلية الذات المركزية إلى الاختفاء تحت عتبة الوعي"() هذا الوعي هو الذي حتم التخلخل الذي يحدثه الصمت في النص ، فهو لغة مضاعفة تثقل كيان الموقف وتربك الأحداث للغرابة في المنطق الذي يشكل الحوار وعناصر الحركة الأخرى أساساً تقليداً في التعامل الإنساني المعتاد ، وبذلك فأن الصمت يصبح هنا بطلاً أو رمزاً أو نقطة ارتكاز في تجمع أو تفريق المواقف حوله أو خلاله ، وعليه فأن "الصمت هو الذي يخلخل نظام النص المقروء والمكتوب معاً ، ولأن المكتوب أقرب الأصوات الصامتة إلى صمت الصمت الذي هو في النهاية لغة اللغات"() ، وبما أن الصمت هو حوار غير منطوق فهو يمثل حوار استفزازي للقارئ ، لأنه يحتم عليه التفكير والتأويل والتخيل ، والاستغراق في الانتباه لما حدث وسوف يحدث ، وبذلك يكون فعل الصمت مساوياً بل يفوق الكلمات المتداولة في الحوار ، لأنه يحمل علامات ومعاناة غير منظورة ، بل غالباً ما تكون في دواخل النفس وتشكيل موقف اعم وأعمق ، وعليه فأن هناك" شكلان من أشكال الحوار ، احدهما يتألف من الكلمات المصاحبة والمفسرة للفعل الدرامي ، والأخر داخلي يجب أن لا يدركه المتلقي في الكلمات بل في فواصل الكلام لا في الصرخات بل في الصمت"() ، وبذلك فأن الصمت في النص هو الجزء المتواري الحاضر والذي من خلاله تتحد معظم الأحداث أو تختزل في لحظة واحدة أو تخضع لها خاتمة بتفعيل الوعي المشترك بين الشخصيات والحدث ذاته ، لذلك" يمثل الصمت عمق اللغة ، فهو كامن وراء الاسم والفعل والحروف ، وهو المعني الغائب في اللفظ الحاضر ، وهذا ما أكده هوسرل في كتابه (تأملات ديكارتيه) ، إذ يقول عن الصمت انه (جعل باطن الشيء ظاهره) ، أذن فالصمت يمثل باطن النص الذي نبحث في باطنيته هذه عن مسميات الأداء للوصول إلى النص عبر الصمت الكامن فيه"() وعليه فأن مفهوم الصمت في النص هو خيار غير محسوب وفق التسلسل المنطقي لحركية الأحداث والشخصيات والحوار بالذات فالحوار هو الذي يحدد الأحداث أكبر من أي عنصر أخر ، ولكن الصمت لغة مخفية وطارئة أدخلت عنوة في زخم الأحداث، وبذلك فأنها تتسم بالمفاجئة للجميع وذلك بحضورها وفعاليتها وتجعل من قارئ النص في حيرة أو لنقل في حالة من استغراق الفكره لهذه الملحوظه في التوقف عن الحوار ومن ثم تأثير هذا التوقف آو الصمت الطارئي داخل بنية النص على فكر ومزاج القارئ ذاته فأنه" لن يكون هناك فصل في التسلسل المنطقي خاصة انه لن يدخل ذلك الصمت في الحسبان"() ، أن الصمت في النص هو طفرة بونية إلى الأمام لتثبيت العلامات المطلوبة من غير الحوار سواء كانت سلبياً أو إيجاباً على أحداث المشهد أو على عموم النص أو على مصير الشخصيات داخله ،وبذلك فأن الإيجاز سمة من سمات فعل الصمت والقادر على اختصار رقعة المسافات للزمن الافتراضي للنص ، فهو "قد يوحي بأنه يمكن للنصوص الدرامية أن تبيح لنفسها بجوازات هامة في التفاظ المجسدين خيالياً لحالة إمتناعيه ما "() ، هذه القدرة للصمت من خلال هذه الجوازات جعلها المؤلف باباً للولوج داخل نسيج بنية النص لعجز الكلمات عن إتمام حركية الأحداث والشخصيات ومواقفها الآنية والقادمة وبذلك يكون الصمت في النص بناءاً افتراضياً لموقف يتبناه المؤلف عبر شخصياته المسرحية ثم القارئ حسب هواه ، فالصمت في النص "بناء افتراضي يجري بصورة استناداً إلى العالم الحقيقي"() أي أنه موقف اقرب إلى التفكير الفلسفي في تبنيه أم عدمه ، ولكنه مع ذلك هو موجود وساكن في ذلك النص ، لأنه في الحقيقة يبقى الفعل الحركي لذهنية القارئ التي تستند إلى طبيعة الانتماء المنطقي لهذا الحوار ومن ثم لهذا الصمت ، قائم على فكرة تبني أن النص خطاباً مغلقاً تتفكك بنيته بفعل القراءة الواعية عبر فهم الحوار وتوالي الأحداث وظهور الشخصيات ومن ثم تهشيم المحتوى الشكلي والفكري لذلك النص تخيلاً وبعد ذلك إعادة الصياغة من جديد في الوعي على شكل تراكمات زمنية للإحداث الآنية والبعدية تجاه هذه الصيرورات الفكرية ، ولما كان النص هو مجموعة حوارات مكتوبة ترسم معالم الأحداث فلا يكون إلا "خطاباً مغلقاً ولا تفصح عن الحروف والكلمات المنطوقة شعراً أو نثراً التي قد لا تكون سوى رمزاً ومفاتيح سر تكشف لكل قاري - على حده - ما وراءها من صور وعوالم خيالية لا نهائية تتراءى على جدران وحدته وصمته"().هذا التناقض له ما يبرره من أسباب والذي يقع فيه القارئ حيث يتجه في قراءته لنص مغلق ما يلبث أن ينفتح سريعاً ضارباً كل التوقعات كاشفاً علاماته من خلال السياق بوعي المتابعة والإحلال الفكري لمقتضيات الإدراك والتجربة الحيايتة للشخصيات المتخيلة ولذات القارئ ، حيث بشكل الحوار المفتاح الأساس لفك الشفرة الأولى في النص ، ورموزها ، وبعد ذلك تأتي الكودات المنبثقة من داخل اللغة التقليدية ورموزها ، ومن ثم اللغة البديلة او المجاورة حيث تأتي في مقدمتها لغة الصمت كأحد الوسائل الناجعة في إضافة نمط تعبيري جديد ، حيث أن النص "كنسق مغلق يدعو إلى تأمل عدم ثباته في تعدد عمليات الدلالة المتولدة عبر فعالية القراءة المشاهدة"() .أن لغة الحوار لا تستطيع وحدها فك الشفرات أو الكودات داخل بنية النص لأنها قد تعجز في بعض الاحيان عن التعبير الدقيق عن رغمة الطرفين أو طرف واحدٍ على أقل تقدير ، حيث أن اللغة "قد لا تكون دائماً كودة مشتركة بالنسبة إلى المتكلمين كنسق للعناصر والقواعد او رسالة خاصة ناتجة عنها"() وعليه فأنه إذا كانت الكلمة بصفتها كائناً حياً تستحق النظر والتأمل فهما وإعجاباً أو نفوذاً وفق قدرتها في سياق العبارة وشاعريتها أو الصيغة التعبيرية الدرامية فالصمت بصفته وقدرته التعبيرية الدارمية العالية يستحق درجةٍ أعلى في النظر والتأمل بقدر كبير ربما يتجاوز استقبال الكلمة فهو على مستويات من الدقة والتركيز على الانتباه والتقدير من حيث الأثر الدرامي "يرى هاملت شبح والده على السطح ، فماذا يعمل الشبح أولاً يشير إلى هملت ... ثم ماذا؟ يتكلم"() وعليه فأننا نتعامل مع الصمت كعنصر من عناصر اللغة وليس الكلام إذا نظرنا إليه باعتباره وسيطاً مهماً للتعامل الرمزي بين اثنين او أكثر وهذا يوحي بأن الصمت في النص معناه التركيز على لغة ما تتم التفاهم وإرادة إيصال المعنى المرمزة دون كلام او حوار لفظي .أن التكرار النسقي لمفردة كلامية في الحوار والجمل باتت ضيقة وعاجزة عن التعبير ومملة في ترجمة الأحاسيس أو فظ النزاعات ، مما حتم على مؤلف النص الدرامي أن يستعين بوسائل مضافة وناجحة للبدائل عن تلك الحوارات أو المفردات الحياتية ، فاستعان بالإيماء أو الإشارة ومن ثم (الصمت) كلغة أشارية رامزة وخطيرة في الفهم الإنساني ، فالصمت داخل الحوارات "يعطي القارئ أو المشاهد اقتناع لا توفره الحياة الواقعية"() وعلى ذلك فإننا ازاء حالة تتداخل فيها درجات من الوعي في القراءة لاستخلاص الرمز أو الكود أو الشفرة من معنى الصمت ، خاضع لـ (فترته - حدته - موقعه - اسبابه - تأثيره) عند ذلك فزج بأنطباع أن الوعي ، مادام متلازم مع التخيل والتأويل فأنه خاضع لصراعه في التركيز والانتباه حتى لا يخرج مفعول الصمت في النص أو العرض عن مفهومه الاساس ، فالصمت مثل الوعي هو "ادراك للدراك"() وهذا ما حتم على المؤلف أن يبرع في كيفية وضع الصمت في نصه ، لذا نرى أن هنالك اختلاف بين مؤلف وآخر في درجة إتقانه وضع الصمت في هذا الحيز أو ذاك ، فليس هنالك كاتب مسرحي يفوق (هارود بنتر) دقة في تخصيص متطلبات الصمت في نصوصه وما يلي سلسلة التوقفات داخل الحورارت في نصه (الوكيل) .

الحصناوي في مسرحية فتى

"ديفز : إذاً لا شيئ سوى الريح .

(توقف قصير)

استن :نعم : عندما يعلوه الريح ....

(توقف قصير)

ديفز : نعم ....

استن : م . م . م . ن ....

(توقف قصير)

ديفز : يحدث فيه تيار شديد .

استن : اه .

ديفز : اني حساس جداً أتجاهه .

استن : صحيح ؟

ديفز : دائماً هكذا .

(توقف قصير)() .

ومن هذه الوقفات ، نرى اهتمام بنتر بالصمت ودرجاته وموقعه فهو "استخدم خمسة مؤشرات مختلفة لبيان طول التوقف فاربعة نقاط توحي بوقفه اطول مما توحي به الثلاث أو (توقف قصير) اطول من (توقف طفيف) ، اما التوقفات الاقصر فهية مهمة لاسباب اخرى ، انها تؤكد عدم استمرارية المحادثة مما يؤشران كلا من الرجلين بطريقته المختلفة مرتبك تجاه الاخر"() ، وازاء هذا الحوار وهذه التوقفات داخله يبرز الصمت موضحاً سلوك كلا الرجلين وغرابة اطوراهما ، فالصمت ايحاء للسلوك الشخصية ، وليس فقط لتحديد الموقف ازاء البعض "فالتوقفات تساعد على تصوير شخصية الرجلين مؤكدة ليس فقط حيائهما بل عيهما وعجزهما عن الافصاح عن اراءهما والصعوبات التي يلاقيها كل منهما في متابعة أي خط للتفكير الواضح ، فحين يقول استن ((ماذا)) يتحول المتكلم على ايماءه وجملة اخرى غير مكتملة"() ، ومن هنا جاء اهتمام (بنتر) بالصمت بفعل لغوي حواري بلا كلمات لكي يعطي القارئ دلالة واضحة على عمق خلاف الرجلين أو لتوضيح سلوكهما الغريب ، لقد أدرك معظم كتاب النصوص الدرامية أن تتضمن ملاحظاتهم إشارة إلى التوقعات في مراحل مهمة من العلاقات بين الشخصيات أو الأحداث المسرحية ، تبيان الفجوات أو الثغرات داخل النفس البشرية والتناقض في العلاقات الإنسانية ولعلاقة الصمت بالنوايا المبيتة (الظاهرة/ الخفية) ، أو المرسومة على تعابير الوجه أو في رمشه الأجفان وحركة الشفة وفتحة حدقة العين مما يوحي بمعاني لا حصر لها ، فلذا أن الصمت "يستطع أن ينقل معاني تفوق بما لا حصر لها بمعاني الكلمات المحكية فعلاً، أما الكلمات فهي وهي إحدى العناصر المكونة للدراما ، نشأتها شأن ثانوي"().

 الحصناوي في مسرحيه (اما-او

ويشارك المؤلف (بنتر) مؤلف آخر في فهمه العميق للصمت هو المؤلف النمساوي (كروتز) حيث يرى أن كلام شخصياته لا يؤدي وظيفته بشكل مناسب، وأن مشكلاتهم لا يمكن التعبير عنها بكلمات ، بل بالمزيد (الصمت) وهذه بعض من التوقفات داخل حوارات مسرحية (فناء المزرعة)

الفلاح : سوف يكلفك هذا عشر سنوات ويكلفني شرفي .

سب : لكن ذلك الامر لم يكن متعمداً .

الفلاح : اتمنى ان يساعد هذا (صمت طويل) الامر يجعلك لا تتكلم (صمت)

سب : (صمت) ولكن الامر لم يكن متعمداً"() .

يؤكد (كروتز) عجز الكلمات كما هو (بنتر) على اكتشاف الجوانب الشخصية لشخصياته وعجزها عن إتمام صفه المعنى ، وذلك فأنه لا يحفل بالمفردات وصطوتها في انجاز المهمة الدرامية ، بل يؤكد أن الصمت كفعل تعبيري قادر على ترجمة الأحاسيس بلغة مرادفة أو لغة مشاكسة تجلب أكثر من معنى أو لغة أكثر دقة في ثباتها ، لذا فأن المحادثات بين شخوص المسرحيات (كروتز) ، تتكون ليس فقط من الكلام ولكن ايضاً من فترات السكون والصمت والتي تعتبر اساسية في اللغة نفسسها ، ويؤكد (كروتز) نفسه باستمرار على اهميتها كما كتب "ان السلوك الاكثر تميزياً في شخصياتي هو الصمت ، لا لغتهم لا تقوم بوظيفتها ، ويووزع (كروتز) علامات الصمت المختلفة (الصمت داخل المحادثة والصمت بين الجمل ، والصمت الطويل) ، وكل منها تستغرق من خمس ثواني إلى ثلاثين ثانية)ويصر على التمسك بهذا بشدة أذا اردنا ان تصبح المسرحية واضحة ومفهومة"() وقد يكون هناك خلاف بين كروتز في وظيفة صمته أو في توظيفه في الاسلوب وطريقة الطرح حيث "تعتبر فترات الصمت عند (بنتر) استمرار مباشرة للمسرحية وتشحن عاطفياً وتتضاعف المعاني وبداخلها وتنتقل مراكز القوة وينشئ التوتر ، وعلى العكس تكون فترات الصمت عند (كروتز) فهية تحدد نهاية وحدة التوتر ، فهية تفريق مفاجئ لأي تفاعل بسيط قد تكون المحادثة أوجدته"().أن الصمت هو فعل داخلي أكثر مما هو حالة سياقية ظاهرة لها صفة الدوام أو الاستمرارية كالحوار والكلمات ، بل هو صفة الانفعالية الحركية داخل الجسد والعقل والحس ، لذا فانه قادر على تحقيق حالة الارتجاج في المسلمات التي يتوقعها القارئ وبذلك فأن فعل الصدمة من هذا الصمت قادر على أن يحيل الافتراضات إلى وقائع غير محسوبة باحتمال واحد أو عدة احتمالات فالصمت "يستطيع أن يرينا أوجه متعددة لذلك الفعل في الوقت نفسه ، كما يستطيع أن يقدم ألينا عدة مستويات للعقل والعاطفة"() ولكن هذا التصور لحركية الفعل المتوقع يتقاسمها الطرفان المؤلف والقارئ ، وبالتالي ، قد يأتي فعل الصمت في غير محلة في التأثير لاقتصاره على فهم ضيق لتجربة محدودة في حياة المؤلف وبالتالي ليس هنالك نضوج في اشتغال فعل الصمت وتأثيراته فقد " بطرح المؤلف تصوراً تجريبياً لرؤية ما في علاقة جدلية مع تصورات اخرى ، ويجعل من النص الادرامي محاولة في الوصول بجدل التصورات المتنافرة إلى تصور جمعي شامل له صفة التجريبية لا اليقين والالزام "() .قد تشكل تجربة المؤلف المسرحي في نصه خطورة في أن يبرز حوار على لسان شخصياته دون أن يعي مردوده الفكري والحسي في بودقة الاحداث ، وبالتالي فأن ذلك المؤلف سوف يقع في مطب التبادلات الحسية التي لا تعوض عنها الحوارات والكلمات فينشأ عن ذلك عجز اللغة في ايصال الرمز والفكرة من الصمت إلى مبتغاه الأصلي ، ولكن قد تكون تجربة مغايرة لمؤلف آخر حيث يؤلف أو ينشئ استقطابات تبرز في كودات مرمزة بفعل الصمت لتكون عنصر اساس في تعويض عجز المفردات اللغوية ، عن اتمام صفقة توصل الفكرة أو بعض اجزاءها إلى القارئ المتخيل ، فالكلمات قد تكون حائرة امام ايصال الرمز "فليس الرعب موجوداً فقط في معاني الكلمات ، ولكن في الشكل ، وحقيقة كونها صحيحة من الناحية القواعدية وتعبيرها الاصطلاحي والسيطرة الجسدية التي تعبر عنها تتساوى مع السيطرة اللغوية والتي يشير إليها استخدامها الشائع بلا تفكير"() وهذا يدل على أن اللغة في بعض الاحيان تصبح مجردة أو تفشل في ثبات صدقها ولا ترمز إلى حالة تأويلية بأي شكل من الاشكال وعليه "تبدو اللغة عند استخدامها بلا قيمة ومتحللة ومفككة وتافها وغير كافية وأخيراً تفشل في الاشكال واللغة التي قيمتها مخفة تتضمن عجزاً في الكفاءة واغرافاً عن المعنى"() ، من هنا ندرك أهمية الصمت كعلامة وافرة ومؤشرة في ملاحظات المؤلف داخل حوارات النص على شرط ان يعي خطورة وضعها ودرجة تأثيرها المكاني ، فأن "وضعها ودرجة تأثيرها المكاني والفكري ، فأن مسرحيات بنتر فيها من الرطانة والتعبيرات اللغوية ، عادة ما تكون وسيلة ترهيب حتى الالفة يتم التعبير عنها بمصطلحات العمل"() ، فاللغة التقليدية اصبحت مملة ساخرة في معناها وبات الصمت دليل احتجاج الإنسانية وصفاها ، وما دامت اللغة اضحت هكذا ، فأنها في نظر بنتر تعبر عن الإنسان العاجز المهمش لذا فأن "ابطال بنتر ليسوا رموزاً للإنسان بل شخصيات محددة"() فالكلمة سلاح قاتل بلا معنى ، واصبح من يقولها ارضة للانتهاك والاغتصاب ، الكلمة مختدعة ولا تحمل الشرف وليس فيها غير المرارة والغربة ، فهي عند (بنتر) سجن يخلد فيه الذهن والعقل والعاطفة تحمكها قبضان لا خلاص منها ، أن "خطورة عبثية اللغة ، كما تتضح في مسرح (بنتر) تكمن في أنها أصبحت سلاحاً خطيراً حين فقدت معناها ، إذ يمكن تطويعها لخدمة أي هدف بغرض السيطرة ، ويمكن استخدامها سلاح اعمى في عمليات القهر النفسي والفكري"() ، لا بديل عن الصمت فهو في نظر (بنتر) ، المضاد الحيوي تجاه رهاب اللغة وعبثيتها التي تكمن في أنصالها وغربتها عن الحياة ، وجعل الإنسان عبداً لمتغيراتها المنتهية فالصمت في نظر (بنتر) تجربة صادقة لأنها بلا كلام فتعبيرها الساكن هو الذي يقول ، وهو الذي يتنفس ، إما الكلمة فإنها تراوغ وتخادع ، وتبتسم كذباً ، وأخيراً هي نظام مصنوع غابته الكذب والخداع ، فمسرحيات (بنتر) تتضمن أو توحي بأن المحادثات أو الحوارات التي فيها تتشكل من خلال ما تحويه تلك اللغة من فنون وحيل وخداع ، فهدف المسرح في نظر (بنتر) هو نبذ كل علامة من علامات التركيب المنطقي والترابط العقلي بين فكرة وفكرة في سياق منطقي مقبول ، إذا جاءت اللغة مقطعة ومجزءة ومحتقرة ، لذا فأن مواضيع (بنتر) تميل إلى السخرية والكوميديا السوداء ، وهذا شأن أغلب كتبا العبث الذين يسخرون في الفكر عبر فكرة أخرى ، فتكون في المحصلة غياب الفكرة ، واستغلال الصمت كحالة من الذهول لما يحصل ، وتعبير عن هذيان الإنسان وما تقدمه العقول التي باتت مشدوه لا تعرف ماذا تفعل .

 الحصناوي في مسرحيه(اغنيه التم

تحليل مسرحية الخادم الاخرس كنموذج

مسرحية : الخادم الأخرس .

تأليف : هارولد بنتر

ترجمة : رؤوف رياض

 سلسلة من المسرح العالي - الكويت ، وزارة الارشاد والامضاء 1970 ... المتتبع لهذه المسرحية وغيرها من النصوص (البرنتية) يدرك ما تحويه من انتقالات سريعة لفكرة ما إلى أخرى دون ان تنتفي مهام الفكرة الأولى من أهدافها وغرابة الحوار ونقله الا مبرر من موضوع على أخر بلا هدف وسوء المفردة المستخدمة وسوقيتها ، وقصر التعبير من خلالها حينها ندرك سخرية تلك اللغة واستخدامها بين البشر ، مما جعلها (بنتر) علامة على نفورها داخل نصوصه وقصر معالمها على إشباع الناس عن التعبير من خلالها عن رغباتهم المكبوتة مسرحية (الخادم الأخرس) هي نص تجمع الكوميديا والتراجيديا وتبدأ حبكتها من حجر صغير وهو عبارة عن غرفة صغيره داخل بناية (بيد روم) يأوي شخصيتان لقاتلين محترفين هما (بن وجص) : يتبادلان الحوارات المضجرة والحوارات العقيمة المكسرة والساذجة ووسيلتهما الوحيدة على العالم الخارجي هو علاقتهم بالخادم الأخرس حيث يبلغ لهما طلبات القتل ويوفر لهما سبل الحياة ، هذه العلاقة الميكانيكية بين القاتلين وبين الخادم الأخرس ، توحي بعلامات لرتباة الحياة وضجرها وتكراراها ونفورها وهذا المكان المعزول وهذه الرتابة في الحوارات بين (بن وجص) وغموض تلك الحوارات السمجة القصيرة وغرابتها .

جص : ولكن فريق ((الفيلا)) لا يفعل ذلك .

بن : يا رجل .

(صمت)

جص : لابد من ذلك وقع هنا في برمنجهام .

بن : لابد ماذا .

جص : متى يتصل .

(صمت)

هذه المحادثة الغريبة بين (بن وجص) تنبع من قلق الإنسان وفزعه وفشل التفاهم مع الآخرين وفشل تلك اللغة في صدقها ، فهي بذلك تراوغ لأنها مخادعة وتبعث على الملل والضجر ، وسرعان ما يزيد الموقف صراحة إحلال (الصمت) بين ثنايا هذه اللغة ليعطي وجه أخرى من صور هذا الخداع ويبرهن على انه المعبر على صمت الحياة وعدم جديتها وبطلان تعاملاتها الحقيقية فالناس أصبحوا غير متحابين ولا متفاهمين بل يتقاتلون ، ويكره بعضهم البعض والحوار يستعمل فقط لتعميق هذا الكره وغايته الخداع والمراوغة والكذب .

الحصناوي في مسرحيه (الحر الرياحي

بن : امحي هذا الموضوع من ذهنك ـ تسمع ؟

(صمت)

جص : هناك عدد من الأسئلة أريد ان اسأله اياها .

(صمت)

كنت افكر في اخر واحد .

بن : أي أخر واحد ؟

هذا التقزم في الجمل الحوارية وغرابتها بين (جص وبن) يعكس الخوف من العالم ، وفقدان الثقة بين الناس ، وكأن الغرفة التي أوتهم هي عالم مصغر من الضيق والألم - فالموت قريب منا ولا شيء يخلصنا من المؤثرات الخارجية ونحن نحمل بذور هلاكنا وهذا ما سوف نراه في طلب غريب - يحوي أمراً جلبه الخادم الأخرس بتنفيذ قتل أحد القاتلين هو (جص) عن طريق (بن) القاتل الذي هو صديق (جص) وسخرية موافقة (بن) السريعة على أمر التنفيذ فلا صداقه في الأمر عندما تحل المصالح ، فليس هناك موانع للموت والقتل حتى مع الأصدقاء فكيف مع القتلة وهذه هي السخرية فالموت يأتي من خلال أمر أو رسالة أو كلمة أو جملة أو حرف وهذا ما جعل (الصمت) يقف مذهولاً ويجعله أكثر صمتاً وأكثر ذهولاً ويجعله أكثر تعبيراً عن فداحة الخسارة وعمق الأزمة .

بن : سننظر إليه .

جص : وننظر نحن إليه .

بن : ولن يفوه أحد بكلمة .

(صمت)

جص : نفس الشيء .

بن : غاماً .

(صمت)

ولهذا يشكل الحوار نقطة فاصلة في عملية غربة الشخوص عند (بنتر) والشخصيتان هنا متناقضتان كما هو الحال في كل شخوص (بنتر) ، فهناك دائماً خلل في موازنة ذكاء الشخصيات ، فنجد شخصية أسرع وأذكى في الحديث من الأخرى ، وغالباً ما يحتوي الحديث أو الحوار غموضاً في تشكيل العكرة التي بالكاد تضعها إحدى الشخصيات في الواجهة إلا وجائتها أخرى لتحل محلها دون الانتهاء من الأولى - فكان الصمت عنواناً لكي يعطي فسحة من الاستراحة والتعويض عن مشكلة الحوارات في نصوص العبث ولكنها إشكالية مقصودة يراد منها احتقار اللغة والنيل منها ، حيث ينتقل حوار (بنتر) بين (جص وبن) على عيوب الذات وغربة الإنسان ودماره ، والتناقض بين دعوة المؤلف إلى إعادة صياغة لغة الحياة اليومية ، ولكن من خلال لغة أخرى تدل عليها - هي لغة اللامعقول بكل ما فيها من تناقض ونكوص ، ولهذا فأن العلاقة بين (جص وبن) تحكمها لغة مصابة ، حيث أن كلا الشخصيتين قد فقدتا أو لم يعرفا لغة الحب أو ألفه المشاركة أو رابطة الثقة ، حيث تأتِ الحوارات تغذي الشك والحيرة ليكون هناك الغموض والريبة هناك الغموض والريبة وغياب الاطمئنان ، والقارئ لهذه المسرحية ، سيرى ، كيف أن (بنتر) يستغل أسلوب التشكيك في كل شيء ليخلق جواً من الغموض والخوف .

جص : لمَّ اوقفت السيارة في منتصف ذلك الطريق هذا الصباح .

بن : (خافضاً الجريدة) ظننتك نائماً في ذلك الوقت .

جص : فعلا كنت نائماً ، ولكني صحوت فجأة عندما توقفت نعم توقفت ، أليس كذلك (صمت) في منتصف الطريق كان الظلام ما زال مخيماً ، ألا تذكر ، ونظرت إلى خارج السيارة وكان الجو كأنه ضباباً .

وتنتقل هذه الريبة والشك بين (جص وبن) إلى مرحلة متقدمة باتجاه الخوف من أشياء وهمية ليست في محل الحسبان ، وعندها فأن كلا من (جص وبن) يحاولان أن يلقيا تبعه هذا الخوف على الآخر ، بل كلاهما يحاول أن يكون هو في مواجهة هذا الخوف المصطنع ، شأنه شأن خوف الإنسان على هذا الكوكب ، ورغبة كل واحد أن يلقي بالمسؤولية على الآخر في ما يحصل من عبث ودمار .

بن : افتح الباب وانتظر ما إذا كان يمكنك الإمساك بأي شخص في الخارج.

جص : من ، أنا .

بن : اذهب .

جص : لا احد .

بن : ماذا رأيت .

جص : لا شيء .

بن : لا بد أنهم كانوا سريعين جداً [يخرج أعواد جص الثقاب من جيبه]

جص : عظيم لقد جاءت في وقتها .

بن : معلاً .

جص : اليس كذلك .

بن : بلى مأتت دائماً في حاجة إلى كبريت ، أليس كذلك ..

ويحاول (بنتر) أن يضنعا في مزاوجة بين السخرية والجدية ، يبين الكوميديا والتراجيديا ، بين المبكي المضحك ، كما الحياة تدعو إلى الألم ثم الضحك ، الألم على ما آلت إليه حال (بن وجص) ثم الضحك عليهما وعلى ما جرى لهما من سخرية لا تحدث إلا في دوائر المجانين ، فلا توجد لغة تفاهم بينهما ، فهما دائماً على نقيضين ، فأتي اللغة والحوارات لتشكل مدلولات مزيفة تتسم بالمراوغة والخداع والمناورة ، من أجل ضرب احدهما بالآخر ، لذا فالحوار كان وسيلة للقمع بينهما أو هي وسيلة للهروب من مواجهة صريحة بينهما ، لذا كان استعمال (بنتر) للصمت هو للتخفيف من عبثية اللغة وغربتها وسخريتها منا .

جص : اراهن على أنه هو الذي قتلها .

       (صمت)

بن : من .

جص : الأخ .

بن : أظنك على حق (صمت يلقي بالجريدة في عنف) وما ريأك في هذا طفل في الثامنة يفتل قطة .

جص : غير معقول (صمت) .

بن : سخف وهراء .

ومن السخرية أن تختم المسرحية دون وضوح ما حصل من تنفيذ أمر القتل رغبة من (بنتر) أن تبقى تلك السخرية قائمة ومستمرة بلا نهاية عندما يحاول أحد القاتلين وهو (بن) أن يصوب سلاحه إلى وجه زميله (جص) حيثُ تختم المسرحية دون إشارة أو دون أن نشعر أو نفهم هل أطلق الرصاص بعد انتهاء المسرحية أم لا وهو تعبير عن استمرار الأزمة والدمار ولا خلاص حتى بالموت ، ولا نفهم من هذا الموقف سوى شرح من قبل (بنتر) على حركة الشخصيات مع استعمال لغة (الصمت) عندما يذكر جملة (صمت طويل) في نهاية المشهد أو نهاية المسرحية للتدليل على توقف الزمن أو ثباته أو توقف حركته عند نقطة ما بلا طائل ، فالموت الذي يصنعه القتلة جاءهم اليوم عن طريق (خادم اخرس) لا يستخدم كلمات أو كلمة واحد على فعل امر خطير فالكلمة إذن ليست مهمة فهو قد فعل أكبر مما يتكلم وتنتهي المسرحية تحت عبارة (يحدق كل منهما في الآخر) وكأن الأمر بان بلا نهاية ولا توقف وأن الأمور قد أصبحت ألعن من ذي قبل والموت لا ينتهي حد مقتل أحد المحترفين بل يستمر الدمار وغربة الإنسان وانسحابه وهزيمة البشر من فوضى الحياة ولا جدواها ، وكأن هذا الصمت في أخر المسرحية قد أضحى سمة من سمات العصر والحياة لا تنتهي بل يبقى الذهول والدهشة عنواناً لها وهكذا يعبر (بنتر) في نصه عن (الصمت) كحقيقة لا بد أن تعكس غربة الإنسان .

[يفتح الباب في الجهة اليمنى بعنف ، يستدبر (بن) شاهراً مسدسه إلى الباب، يدخل (جص) متعثراً وقد جرد من سترته وصديره ورباط عنقه وحزام مسدسه يقف محنى الجسم وذراعه إلى جانبه يرفع رأسه وينظر إلى (بن) (صمت طويل) (يحدق كل منهما في الآخر) .....

(نهاية) .

الاحالات 

([1]) هيمن ، رونالد ، قرأءة المسرحيه ، ص105 .

([2]) المصدر نفسه ، ص105 .

([3]) المصدر نفسه ، ص106 .

([4]) هونزل ، بندريك واخرون : سيمياء براغ للمسرح ، ترجمة : ادمير كورية ، (دمشق : منشورات وزارة الثقافة ، 1977) ، ص164 .

([5]) المصدرنفسه ،  ص171 .

([6]) المصدر نفسه ، ص173 .

([7]) الزايد، محمد : اللحظة العدمية المتعالية (ميتافيزيقيا الثورة) ، (بيروت منشورات عويدات ، 1982) ص38 .

([8]) مايرخولد ، فيسفولد : في الفن المسرحي ، ترجمة : شريف شاكر ، (بيروت دار الفارابي: 1979) ، ص124 .

([9]) الميالي ، سافره ناجي ، مصدر سابق ، ص17 .

([10]) سفليد ، أن أوبر : مدرسة المتفرج ، ترجمة : حمادة ابراهيم واخرون ، (القاهرة وزارة الثقافة ، مهرجان القاهرة الدولي للمسرحية التجريبي ، 1996) ، ص296 .

([11]) إيلام ، كير : سيمياء المسرح والدراما ، ترجمة : رئيف كرم ، (بيروت : المركز الثقافي العربي ، 1992 )، ص164 .

([12]) المصدر نفسه ، ص165 .

([13]) سعد / صالح : الإنا - الأخر ، ازدواجية الفن التمثيلي ، (الكويت ، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ، سلسلة علام المعرفة ، 2000) ، ص25 .

([14]) استون ، الين وجورج سافونا : المسرح والعلامات ، ترجمة : سباعي السيد ، (القاهرة وزارة الثقافة ، مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي ، 1996) ، ص29 .

([15]) إيلام ، كير ، مصدر سابق ، ص239 .

([16]) اوزياس ، جان ماري ، البنيويه ، ص63 .

([17]) رضا ، حسين رامز : الدراما بين النظرية والتطبيق ، (بيروت : المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، 1972) ، ص375 .

([18])  نفس المصدر ، ص243 .

([19]) هيمن ، رونالد ، مصدر سابق ، ص106 .

([20]) نفس المصدر ، ص108 .

([21])  نفس المصدر، ص109 .

([22]) اسلن ، مارتن : تشريح الدراما ، ترجمة : يوسف عبد المسيح ثروة ، (بغداد منشورات وزارة الثقافة ، 1978) ، ص14 .

([23]) مالكين : جينت ار : العنف اللغوي في الدراما المعاصرة ، ترجمة : محمد السيد (القاهرة : وزارة الثقافة مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي ،2000) ص 169

([24]) نفس المصدر ، ص186 .

([25])  نفس المصدر ، ص186- 187 .

([26]) اسلن ، مارتن ، مصدر سابق ، ص15 .

([27]) صليحة ، نهاد : المسرح بين الفن والفكر ، (بغداد : دار الشؤون الثقافية العامة ، 1985)، ص30 .

([28]) مالكين ، جينيت آر : مصدر سابق ، ص37 .

([29]) المصدر نفسه ، ص20 .

([30]) المصدرنفسه ، ص260- 261 .

([31]) صليحة ، نهاد ، مصدر سابق ، ص83 .

([32]) المصدر نفسه ، ص84 .

 

 

د. سامي الحصناوي


التعليقات




5000